1. إن مفهوم التدريب لم يعد مفهوماً تقليدياً يقتصر على تنظيم الدورات التدريبية التقليدية ومنح شهادات الاجتياز، بل أصبح خياراً إستراتيجياً في منظومة استثمار وتنمية الموارد البشرية، وإن الإنسان لم يعد يطلق عليه اسم العامل أو الموظف، بل أصبح يطلق عليه اسم المورد البشري، ولذلك يعتبر الإنسان من أهم الموارد التي تقوم عليها صروح التنمية والبناء والتنوير في أي دولة وفي أي مكان فوق كوكب الأرض. ولقد تسابق العلماء في تخصصات مختلفة على تعظيم الإنسان، فأطلق عليه الاقتصاديون اسم رأس المال البشري.. كما أطلق عليه المحاسبون اسم الأصول البشرية.. أما الإداريون فقد سموا الإنسان بـرأس المال الذكي أو رأس المال المبدع أو رأس المال المعرفي. وفي إطار هذه التعظيمات لقدرات الإنسان، فإن التدريب لم يعد مجرد حلقات دراسية تقليدية، بل هو استثمار كامل للثروة البشرية التي أضحت -بدون جدال- الثروة الحقيقية لكل الدول والشعوب وأصبح التدريب -تبعاً لذلك- في قلب التنمية الحقيقية الشاملة، سواء بالنسبة للقطاع الخاص أو القطاع العام أو القطاع الحكومي أو قطاع المنظمات غير الحكومية NGOs. نعرف جميعاً أن الثورة الصناعية في القرن الماضي أفرزت ما كان يعرف باسم العملية الإدارية التي تمخضت عنها طبقة جديدة في الإدارة وهي طبقة المديرين، إلا أننا في نهاية القرن العشرين نجد أن ثورة المعلومات أفرزت ثورة إدارية اتجهت نحو تغيير الأسلوب والمنهج التقليدي في إدارة المنظمات، وأصبح التركيز على الإنسان الكفء القادر على التعامل مع التغيرات والمستجدات والتطورات، بحيث يصبح الثابت الوحيد في عالم اليوم والغد هو «التغيير» وأصبحت الإدارة هي إدارة عمليات التغيير وصولاً إلى إدارة الجودة الشاملة TQM. إن القضية أكبر بكثير من مسألة ترقيع المشاكل القائمة بأسلوب الدورات التدريبية التقليدية، وإنما بلغ من التعقيد بحيث يحتاج إلى معالجة علمية وموضوعية تتمشى مع متطلبات المرحلة التي نهيىء أنفسنا للدخول فيها على قدم المساواة مع المؤسسات التي أخذت بمتطلبات الجودة الشاملة. وتعتمد هذه المنهجية الجديدة لإدارة الجودة الشاملة على العنصر البشري وتنميته وتطويره بصفة مستمرة، وتبعاً لذلك تطورت النظرة من الفرد المدير إلى المدير القائد، وأخيراً المدير ذي الكفاءة العالية في التأثير على عناصر البيئة التي يتعامل معها High Value Manager ، وتحولت القيادة الإدارية إلى القيادة الإستراتيجية.. وتحولت العملية الإدارية من التحسين إلى استمرارية التحسين وعدم توقفه.. ومن الإدارة العادية إلى الإدارة الوقائية. إن منظمات الأمس التي ستبقى اليوم وغداً لابد أن تسعى إلى تطوير وتوسيع أهدافها لتقابل الغد المجهول، فهي إذن تتغير من مؤسسات ذات أهداف واضحة وذات صفة كمية ونشاط نمطي، إلى مؤسسات ذات أهداف متجددة متنوعة ومترامية لا تقتصر في نوعيتها على كم محدود، بل قد تتجاوزه إلى نواح ومتطلبات غيركمية صعبة القياس. وهذا هو التحدي الأخطر الذي تواجهه منظمات ومؤسسات المال والأعمال في دول العالم الثالث. وهنا تتجلى إطلالة التدريب كآلية مستمرة للمواكبة والمواصلة ومواجهة التحديات. ولذلك يحتل التدريب مكانة بارزة في خطط التنمية التي تصممها الحكومة. ورغم أن التدريب أصبح له مفهوم واضح في الدول المتقدمة.. إلا أن مفهوم التدريب في دول العالم الثالث يحتاج إلى كثير من الإيضاح والتحديد. فكلنا نتفق على أن التدريب مهم، ولكن لم نقل، ما هو التدريب الذي نريده والذي نقصده!! هذا الكلام يرتبط بعدد من الأسئلة الهامة: هل القطاع الخاص هو المسؤول؟ هل الحكومة هي المسؤولة؟ هل كل هؤلاء مسؤولون عن التدريب؟! نحن للأسف ندور في فلك كل هذه الأسئلة، ولم نحسمها لأن الشك مازال يساورنا حتى الآن في أن التدريب هو العلاج الحقيقي لمشاكلنا. والسؤال الآن: هل هذه الجهات تستطيع أن تخرج قوافل من المتدربين القادرين على لجم الصيحات المتعالية التي تتهم التدريب بأنه المشكلة الحقيقية وراء عدم وجود كفاءات وكوادر ماهرة تستطيع أن تقوم بالعمل والأعمال بكفاءة؟ وهل نحتاج إلى مزيد من الوقت لجني ثمار التدريب، أم أن هناك أسباباً أخرى غير التدريب تلعب دوراً في عدم وجود كوادر فاعلة؟ ويجب أن نعترف بأن عملية تنمية مؤسسات المال والأعمال ليست مجرد عملية تدريب أو تغيير في أداء فرد أو مجموعة أفراد من مستوى معين إلى مستوى آخر، ولكن تنمية المنظمة عملية إحداث تغيير مقصود شامل لجميع العاملين في المنظمة وعلى مختلف مستوياتهم في اتجاه محدد نحو زيادة الكفاية والفاعلية للمنظمة في مواجهة مشاكل اليوم والغد. إن التدريب في دول النمور الآسيوية حقق شوطاً بعيداً من الفاعلية، ولقد بدأ التدريب يظهر في هذه الدول من خلال الحكومات، من خلال قيام القطاع الخاص بتوجيه جزء من استثماراته في إنشاء معاهد متخصصة للتدريب، من خلال قيام الغرف التجارية في المساهمة في إزالة اللبس حول مفهوم التدريب. ليس هذا فقط هو الحل، ولكن الأهم من ذلك هو أن مراكز ومعاهد التدريب في دول النمور الآسيوية أخذت تكمل بعضها البعض، بعد أن اتفقت على الخطوط العريضة للتدريب الذي تحتاج إليه. والمفهوم الذي نقصده ليس التعريف الأكاديمي للتدريب، فالتعريف الأكاديمي هو التعريف النظري الذي يقول إن التدريب هو عملية تغيير في نمط تفكير وسلوك المتدرب في ضوء الاحتياجات والمشاكل الفعلية التي تواجه العمل. ولكن عملياً فإننا نحتاج إلى مفهوم يتحرك في الواقع، يتحرك فوق المشكلة ويجهز عليها، وهو الإشكالية التي مازالت تفرض علينا البحث عن حل لها. المشكلة الآن هي عدم توافر الكفاءة في المتدرب، بمعنى أن الهدف الأول والأساس من التدريب لم يتحقق. ولقد أسفر غياب عدم وجود مفهوم عام للتدريب عن أن برامج التدريب في مراكز التدريب القائمة غير فعالة.. مثلاً مراكز التدريب المهني لا تخرج كوادر مدربة تدريباً جيداً سواء في الطباعة أو التصوير أو الميكانيكا أو الكهرباء. إن خريجيها لا يعرفون جيداً تخصصاتهم لأنهم لم يتدربوا على مكائن حديثة. المؤسسات الصحفية -على سبيل المثال- لديها مكائن متقدمة، ولكن المراكز المهنية لديها مكائن قديمة، فكيف يستطيع المتدرب المتخرج في مراكز التدريب المهني أن يفيد المؤسسات الصحفية؟!! إن بعض مراكز التدريب تهتم بالمظهر ولا تهتم بالجوهر، فترصد عناوين كبيرة لدورات تستغرق ثلاثة أيام، علماً بأن هذه العناوين تحتاج إلى سلسلة من الدورات التي تستغرق شهوراً وليس مجرد أيام ثلاثة.

من كتاب الاتجاهات الحديث في التدريب - أحمد البدري عبدالعزيز