نظرية عربية في الإدارة
من
أجل تنمية مستدامة
د. عبد العزيز مصطفى أبو نبعة
جامعة الزيتونة الأردنية
7200 م

ABSTRACT

Management plays a great and important role in the advancement of nations in the whole world. Consequently, a number of theories emerged and new ones are still emerging from time to time. The search will go on and on to achieve administrative fulfillment.

The problem of the study is that we have to participate in developing management thought instead of just consuming the western theories which might not be applicable in our environment.
The aim of the study then is to develop an Arabic Management Theory from our Arabic and Islamic Heritage that can be workable in our environment.
The new theory is based on three pillars.
The first concept is service: which means that manager should respect his employees as he respects his guests in order to win their cooperation and increase their productivity.
The second concept is counseling with his employees before taking any decision ,.this necessary in directing people and motivating them to work .This is also is important for the manager to make the right and wise decision.
The third pillar is justice. This concept means that the manager should consider fear of GOD before taking any decision, and be fair with all his employees, other wise he may punished and go to hill.














تمهيد

تلعب الإدارة دوراً كبيراً وعظيماً في تقدم الأمم والمجتمعات في مختلف أرجاء العالم. و يشير مؤسس علم الإدارة " هنري فايول " إلى أن الفرق بين شركة ناجحة و أخرى فاشلة ، مؤسسة ناجحة و أخرى فاشلة ، منظمة ناجحة و أخرى فاشلة ، أن هناك مديراً ناجحاً او مديراً فاشلاً.
فإذا نجحت هذه الشركة و تلك ، و هذه المؤسسة و الأخرى و هذه المنظمة و البقية ، فهذا يعني نجاح المجتمع بتحقيق التنمية في كافة قطاعاته المختلفة : التعليمية و الصحية و العلمية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية ... الخ ، بما ينعكس في النهاية على رفع مستوى المعيشة لأفراد ذلك المجتمع و تحقيق الرفاهية لعموم أفراده ..
لا عجب أن يسعى العلماء و الباحثون منذ الخليقة بالبحث عن الوسائل و الأساليب و الطرق الكفيلة ببناء المدير الناجح والفعال في تحقيق الأهداف . فظهرت العديد من النظريات و لا زال يظهر الجديد منها بين فترة و أخرى و سيظل البحث مستمراً و دائماً لتحقيق الكفاية الإدارية .

ماهية الإدارة

هناك العديد من التعاريف للإدارة بل العشرات منها، و بعد الإطلاع عليها، توصل د. عبد العزيز أبو نبعة إلى تعريف يتميز بالشمول هو إن " الإدارة عبارة عن فن و معرفة استخدام كافة أوجه النشاط اللازمة لتوجيه موارد المنظمة لتحقيق أهدافها بأقصى كفاية ممكنة "

وهذا التعريف يؤكد على النواحي التالية :

[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif[/IMG] لا بد من أن تتوافر للمدير الناجح أولاً قدراً من المواهب و الكاريزما التي تجعله يجد قبولاً من الآخرين مثل الهيبة ( كالطول و الشكل و الوجه الخ ) بالإضافة إلى فنون الإدارة الأخرى كالعدل ، و الصبر ، و الحكمة ، و الثقة بالآخرين ، و فن حل المشاكل. فهذه توجد في طبائع الأشخاص التي طبعوا عليها فأين تعلم المدير العدل، أو الصبر، أو احكمة ، أو الثقة .
[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif[/IMG] ثم يأتي العلم الذي لا غنى عنه الآن ، لصقل هذه المواهب ولتجعله قادراً على اتخاذ القرارت الإدارية السليمة في عصر العولمة و الحوسبة و الإنترنت ، فالمواهب وحدها لا تكفي إذ لا بد للمدير الناجح من أن يكون على معرفة بالعديد من العلوم مثل الاقتصاد أو الحاسوب ، و الأبحاث و التسويق و التمويل ، أو شؤون الأفراد فضلاً عن ثقافة واسعة و معرفة شاملة بالبيئة و الظروف و التغيرات الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية إلى آخر هذه المعرفة اللازمة لإعداده للقيام بمهامه الإدراية بنجاح.
[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif[/IMG] ويؤكد هذا التعريف على أهمية المعرفة بالأنشطة الإدارية مثل المقدرة على التخطيط و الرقابة و التنظيم و التدريب و التوجيه و القيادة و التنسيق و اتخاذ القرارت على أسس علمية.
[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif[/IMG] وان هذه الأنشطة و المعرفة لازمة لتوجيه كافة الموارد من مالية أو أفراد ، أو سلع أو خدمات ..الخ و إدارتها بالشكل السليم.
[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif[/IMG] كما أن هذا التعريف ينطبق على أية منظمة سواء كانت قطاع عام أو قطاع خاص أو شركة أو مؤسسة أو مدرسة أو بنكاً وأياً كان شكل المنظمة أو المؤسسة .
[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif[/IMG] كما يؤكد هذا التعريف أهمية تحقيق أهداف تلك المنظمات سواءً كانت ربحية أم غير ربحية من خلال تحسين الخدمة و تحقيق الجودة .
[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif[/IMG] و ليس فقط تحقيق الأهداف و لكن بأقصى كفاية ممكنة بمعنى تحقيق أقصى ربحية أو أفضل خدمة بأقل تكلفة حتى يصل المدير الناجح إلى الكفاية الإدارية المنشودة .

منهجية الدراسة

مشكلة الدراسة

هناك حقيقة متواضعة يشير إليها د. ابراهيم المنيف و يسلم بها معظم الباحثين و الممارسين في حقل الإدارة مفادها أن الدول العربية دول متخلفة أو ما يسميها البعض تلطفاً بالنامية و أن هنالك اجماعاً يسلم به معظم الباحثين بتخلف الوطن العربي الشامل في المجال التكنولوجي عموماً و المجال الإداري على وجه الخصوص.
تبقى في مقدمة هذه المشكلة نقطة هامة و هي أن الذين يحاولون إيجاد سبل التطوير عن طريق التعليم الإداري و التدريب، لم يحاولوا أساساً أن يحددوا أولاً أبعاد و عوامل و مظاهر التخلف الإداري. وقام د. ابراهيم المنيف بتحديدها على النحو التالي :
[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image003.gif[/IMG] نقص المعلومات و الإحصائيات و إن وجدت فهي متقادمة أو غير دقيقة.
[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image003.gif[/IMG] نقص الإنتاجية و الكفاءة الإدارية و عدم توافر القيادات الفاعلة للتطوير و التحديث.
[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image003.gif[/IMG] عدم وضوح مفهوم الإدارة و عدم مساهمة علماء و كتاب الإدارة العرب في تطوير النظريات الإدارية .
[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image003.gif[/IMG] عدم توافر قواعد المهنة الإدارية مثل توصيف الوظائف و تصنيفها ووضع الهياكل التنظيمية و إجراءات و قواعد العمل في الكثيرمن المؤسسات و الشركات .
[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image003.gif[/IMG] البيروقراطية و الروتين و عدم تفويض السلطة و الصلاحيات الإدارية و عدم الثقة في الموظف أو تحفيزه لأداء العمل الجيد عموماً.
[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image003.gif[/IMG] نقل النظريات الغربية في الإدارة دون محاولة تطويعها لتلائم الظروف و البيئة العربية ( 2 ، ص 323 – 292 )
وقد أشار د. ابراهيم المنيف إلى المشكلة تحديداً :

" و من الواقع التاريخي لا بد لنا أن نقترح بأن يقوم المدراء العرب ، بوعي إداري لدورهم ، بالإسهام في التفكير المنظم بدلاً من استهلاك الأفكار الغربية دون مراجعتها و التحقق من ملاءمتها لحاجات البيئة العربية. غير أن الاعتماد الكبير عليها يعتبر سبباً لعدم التفكير و كذلك عدم الاتيان بأفكار و نظريات إدارية تنبع من الواقع العربي. و من الملاحظ كذلك اعتماد الإداريين العرب، لعد توفر خلفية إدارية، على التجربة الذاتية اللاعقلانية و إظهار العداء لكل ما هو علمي و جديد.وكل ذلك يؤدي بنا إلى منزلقات التخلف الإداري و لا يمكن تحقيق التطوير إلا إذا لعب الإداريون العرب دوراً طليعياً في إغناء الفكر الإداري العالمي ، فاستمرار الإداريين العرب بالإكتفاء و الممارسة دون التنظير يؤكد عدم الشعور بالمسؤولية لديهم و بعدم الاتساق التاريخي الذي سبق ذكره بالنسبة لدور الإداريين الغربيين بالممارسة و التنظير معاً ."

وطالب د. المنيف بالحل :

" وإن من أسباب التخلف الإداري الذي يعيق التنمية هو انعدام الربط بين النظرية و التطبيق. و الجدية في القضاء على هذا التخلف تكمن في ربط النظرية بالتطبيق و الإتيان بأفكار حديثة من التطبيق و نقلها إلى نظريات . وعلى الإداريين العرب بذل الجهد بأن يستخلصوا من تجاربهم و ممارساتهم أفكاراً تؤدي إلى مفاهيم و أسس و مبادئ كمكونات للنظرية. وقد آن الأوان لقيام الإداريين العرب بنشر حصيلة ممارساتهم و تفكيرهم لإغناء التطبيق و النظرية الإدارية بالأفكار و المفاهيم الملائمة للبيئة العربية . فبدلاً من الاعتماد الكلي على انتقال النظريات الغربية، سيكون أمامنا بديل آخر بالإتيان بالأفكار المؤيدة لتنمية و تطوير نظريات إدارية عربية نابعة من البيئة و التجارب و الممارسات المؤكدة لطواعية البيئة العربية . " ( 2 ، ص 326 )


أهداف الدراسة

يهدف هذا البحث إذاً إلى حل المشكلة آنفاً ، حيث يقوم د. عبد العزيز أبو نبعة بمحاولة متواضعة بعد خبرة أكثر من ربع قرن في الإدارة إما مدرساً أو ممارساً للعمل الإداري، بوضع نظرية عربية في الادراة تنبع أساساً من بيئتنا العربية و قيمنا الإسلامية قابلة للتطبيق ، لتساهم في رفع إنتاجية الفرد العربي و تحقيق أهداف التنمية الإدارية في العالم العربي. و بذلك يمكن أن تستفيد منها الجهات التالية :
[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image003.gif[/IMG] كليات الاقتصاد و العلوم الإدارية في الجامعة العربية لتدريسها و تعميمها و التوسع فيها .
[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image003.gif[/IMG] معاهد الإدارة العربية لتدريب الموظفين على تبنيها و تطبيقها في أعمالهم مستقبلاً.
[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image003.gif[/IMG] المدراء و الممارسون للعمل الإداري في المؤسسات و المنظمات و الشركات سواء كانت قطاع عام أو قطاع خاص بحفز موظفيهم على تحسين الأداء و زيادة الإنتاج للحاق بركب الأمم المتقدمة.
[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image003.gif[/IMG] يساعد تطبيق هذه النظرية في الوصول إلى الجودة الشاملة في العمل الإداري.


منهجية الدراسة

اعتمد الباحث بالمراجعة النظرية على جمع المعلومات من المصادر الثانوية في علم الإدارة المتوافرة في المكتبات الجامعية.
أما في جانب تطوير نظرية عربية في الإدارة فقد اعتمد الباحث على خبراته العملية في الإدارة تدريساً أو ممارسةً و التي امتدت لأكثر من خمسة و عشرين عاماً في مختلف القطاعات الأكاديمية و الصناعية و التجارية و البنكية و معهد الإدارة العامة حتى اختمرت في ذهنه هذه النظرية و قام بتسجيلها و توثيقها في هذا البحث لينتفع بها الدارسون و الممارسون لعلم الإدارة في الوطن العربي.

أمراض الإدارة العربية

من أمراض الإدارة العربية المتعارف عليها بين الكتاب العرب:

¨ أمراض الواسطة
¨ أمراض المحسوبية
¨ أمراض النفاق الإداري
¨ أمراض الانفصام الإداري
¨ أمراض قلة الكفاءة الإدارية
¨ أمراض الظلم الإداري .... الخ

هذه الأمراض التي نذكرها على سبيل المثال لا الحصر هي ما نسعى إلى معالجته ووضع الحلول المناسبة لها لرفع سوية الكفاءة الإدارية العربية للحاق بركب الأمم المتقدمة و مستمدة من بيئتنا العربية و الإسلامية .


نظريات إدارية سابقة
هناك العديد من النظريات الإدارية السابقة الغربية و التي نقلت إلى العريبة و نستعرضها على وجه السرعة دون الدخول في تفاصيلها ، حيث تملأ العديد من الكتب الإدارية ، و التي ساهمت مساهمة ضئيلة في رفع سوية الإدارة العربية لأنها نظريات مستوردة لا تلائم العقل العربي في كثير من الأحيان مما يجعلنا نقرؤها و ندرسها و لا نمارسها أو نطبقها إما لقلة القناعة بها أو لشعورنا أنها لا تلائم البيئة العربية . من هذه النظريات السابقة :

[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif[/IMG] نظرية البيروقراطية الألمانية

[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif[/IMG] النظريات الأمريكية مثل :

[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image002.gif[/IMG] نظرية X
[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image002.gif[/IMG] نظرية Y
[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image002.gif[/IMG] نظرية S
[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image002.gif[/IMG] نظرية M.B.O
[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image002.gif[/IMG] نظرية System

[IMG]file:///D:/DOCUME~1/MOHAMM~1/LOCALS~1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif[/IMG] النظرية اليابانيةZ


بينما العرب لا يوجد لهم نظرية خاصة بهم مستمدة من بيئتهم العربية و الإسلامية و قابلة للتطبيق و تحقيق الأهداف.























تمهيد

وبعد أن استعرضنا النظريات الغربية في الإدارة ( الألمانية و الأمريكية و اليابانية) و على الرغم من أهميتها لتطور الفكر الإداري عموماً و العربي على وجه الخصوص مما لا نستطيع معه تجاهلها أو إنكار الحاجة إليها أو أهميتها لتطوير أداء الإدارة العربية. إلا أنه لا يفوتنا أن نلاحظ أن هذه النظريات قد نشأت في بيئات غربية و التي تختلف عن البيئة العربية . و لا ينكر كاتب أو باحث أو مؤلف إداري أهمية البيئة و تأثيرها على فكر الفرد أو العامل و الأهم تأثيرها على عقل المدير.
لكن يلاحظ على هذه النظريات السابقة إما أنها تركز على المنظمة لتحقيق أهدافها من خلال النموذج الأمثل للتنظيم ( النظرية البيروقراطية / ماكس ) أو تركز على إجراءات العمل و تبسيطها أو ظروف العمل من إضاءة أو تكييف ...... الخ و تحسينها ( النظرية العلمية/ تايلور ) ، أو على العلاقات الإنسانية ( نظرية العلاقات الإنسانية/ مايو) أو بناءً على ولاء و انتماء العامل للمنظمة ( النظرية اليابانية) و مع عدم انكارنا لأهمية النظريات في تحسين الإنتاجية و رفع كفاءة الأداء ، إلا أن أياً منها لم يغص في فكر المدير، و معتقداته و البيئة المحيطة به و أثرها على أدائه و هو جوهر العملية الإدارية كلها.
يؤكد هنري فايول مؤسس علم الإدارة أنه إذا كان هناك شركة ناجحة أو فاشلة، مؤسسة ناجحة أو فاشلة، منظمة ناجحة أو فاشلة ، فإن هناك مدير ناجحاً أو فاشلاً .
لم يقل العامل أو ظروف العمل ، أو التنظيم على الرغم من أهميتها لأن ذلك يصنعه المدير ، الناجح في النهاية و الراغب في النجاح ، وأؤكد على كلمة الراغب.وتتأثر هذه الرغبة و المقدرة على نوع البيئة و أؤكد على كلمة البيئة مرة أخرى التي تربى فيها المدير، و التي بنى من خلالها معتقداته و مفاهيمه و عاداته و تقاليده، و التي بدورها تصنع منه مديراً ناجحاً أو فاشلاً. فكم من مدير في عالمنا العربي عاد حاملاً شهادة الدكتوراه في إدارة الأعمال من أرقى الجامعات العربية أو تربى على أيدي هؤلاء العائدين و لكنه وضع كل ما تعلمه على الرف و أخذ يمارس البيروقراطية ، و التسلط ، و التمييز و التعسف و ممارسة عقده التي نشأ عليها على هؤلاء الموظفين المساكين ، فقتل بدكتاتوريته روح الإبداع لديهم ، و طمس على حوافز الإنتاج للعاملين بتحيزه ، أو حتى طفش بعض الكفاءات خوفاً على كرسيه ، و نسي كل ما تعلمه في فنون الإدارة و علومها ( و عادت حليمة إلى عادتها القديمة) و كما يقول المثل( راح منشار و رجع شاكوش ) للدلالة ععلى أنه يمارس الأداء السيئ ( باحتراف).
طبعاً ، لا أعني بذلك التعميم ، و لكن للأسف من خلال مشاهدات الباحث و تجاربه العديدة و في مختلف القطاعات ، يستطيع أن يؤكد أن هذه النماذج السيئة موجودة بيننا و لا نريد أن نغض الطرف عنها ، و ندفن رؤوسنا في الرمال ، و نقول إن الإدارة العربية بخير وعلى ما يرام ، بينما يلمس المواطن العربي في كل مكان سوء استعمال المدير لسلطاته و استخدامه لإدارته كمقاطعة أو مزرعة يفعل بها ما يريد و ما يشاء لغياب المساءلة و المراقبة و المتابعة العلمية و أركز على كلمة العلمية مرة أخرى لأنها هي التي تقوّم الأمور و تصحح الاعوجاج ، و ليست الرقابة السماعية و النفاقية و التجسسية على أداء الموظف، فالمدير الجاهل أو ضعيف الشخصية هو الذي يستخدم أسلوب " الإدارة بالتجسس" أما المدير الناجح فيستخدم الأساليب العلمية في الرقابة .

هذا الواقع و الاتجاه الخاطئ الذي نسير فيه علينا تغييره ، و حتى نستطيع ذلك علينا معرفة الأسباب و معالجتها و العودة إلى الجذور و التراث و الأصالة و التاريخ و القيم لنستم منها و ليس من واقعنا الحالي أو من الغرب ما يعيننا على تصحيح المسار و توجيه الجهود لتحقيق التنمية و اللحاق بركب الدول المتقدمة و نساهم في تطوير العلوم بدلاً من أن نكون متلقين لها فقط.

فإذا أخذت النظريات السابقة على علاتها و بحذافيرها دون تطوير أو تعديل بما يلائم البيئة الجديدة فلا شكك أنها سوف تفشل في تحقيق الأداء المطلوب ، خاصة وأن ذهنية أو عقلية الفرد العربي لها خصائص فريدة تختلف تماماً عن عقلية أو ذهنية العامل في الغرب ، فالقيم الاجتماعية مختلفة و الثقافات متباعدة ، و أساليب التفكير و رؤية الأمور متنوعة بل أحياناً متضاربة فالفرد العربي يتميز بالكبرياء و الأنفة و الشهامة و الكرم و الحساسية المفرطة أو العصبية القبلية في أحيان أخرى. كل ذلك يستلزم منا بالطبع أن نبحث عن هويتنا العربية في الإدارة و المستمدة من قيمنا و أصالتنا و تقاليدنا العربية و الإسلاميةالراسخة منذ عشرات القرون ، وأن نقوم كذلك بتعديل و تطوير و تكيف هذه النظريات الحديثة لتلائم بيئتنا العربية حتى يتحقق النجاح المنشود.

من هذا المنطلق بدأ د. عبد العزيز أبو نبعة بتكوين النظرية العربية في الإدارة من بادية الصحراء نبع النقاء و الصفاء و التي تقوم على ثلاثة أعمدة، إذا اقتنع بها المدير العربي ، وعمل بها و طبقها ، بالإضافة إلى ما سبق ذكره من أساليب الإدارة الحديثة فإنه يحقق النجاح و الفعالية الإدارية بالتأكيد. إذ أن هذه النظرية لم تأتي كي تلغي ما وصل إليه علم الإدارة ، و لكن لتكمله و تجعله صالحاً للإنجاز في البيئة العربية.



فما هي هذه المبادئ الثلاثة لنظرية الإدارة العربية الحكيمة؟


نلاحظ بعد الاطلاع على تراثنا الغربي و الإسلامي أن شيخ العشيرة في القبيلة العربية يستمد سلطاته و مكانته في العشيرة من ثلاثة مقاهيم أساسية :

أولاً: مفهوم الخدمة : حيث أن كبير القوم خادمهم ، أي أن الذي يسهر على راحة و سعادة أفراد عشيرته و يحل مشاكلها و يعمل على رفاهية أفرادها و حمايتهم.

ثانياً : مفهوم الشورى : إذ أن قرارات شيخ العشيرة لا تكون منفردة بل هي رأي جماعي و خلاصة مشورة أهل الرأي و الحكمة في مجلس عشيرته .

ثالثاً : مفهوم حق الدخيل : أي العدالة و إنصاف المظلوم و حمايته حتى يصل إلى حقه .



حق الدخيل

العدالة و الانصاف








مفهوم الخدمة مفهوم الشورى











Arabian Management Theory
نموذج نظرية الإدارة العربية
للدكتور عبد العزيز أبو نبعه
من الجدير بالذكر ، أننا بهذه المفاهيم الثلاثة ، لا نحاول إعادة اختراع العجلة ، فجذورها موجودة في تراثنا العربي و حضارتنا الإسلامية ، ولكننا حاولنا وضع هذه العجلات معاً لنجعل مركبة الإدارة قادرة على التقدم و السير إلى الأما م. فاسحق نيوتن لم يخترع سقوط التفاحة على الأرض و لكنه فقط أجاب على السؤال لماذا تسقط على الأرض؟
فيما يلي نموذج العقل الإنساني يوضح المؤثرات فيه و نتائج تلك المؤثرات


نموذج العقل الإنساني



العقل الإنساني


المدخلات
ايجابية سلبية

من الأعين

من الآذان

من الحواس الأخرى

أقوال

أفعال

المخرجات
ايجابية سلبية


سلوك


فإذا أردنا تغيير أو تطوير أداء المدير العربي ، علينا أولاً تغيير أو تطوير مدخلات عقل المدير العربي، حتى نستطيع أن نؤثر فيه و نرفع من كفاءته الإدارية


عقل المدير العربي

المدخلات

مفهوم الخدمة

مفهوم الشورى

مفهوم العدالة

معاملة أحسن

انتاجية أفضل

المخرجات

ربحية أكثر.. الخ





و الآن ما هي تفاصيل هذه المفاهيم الثلاثة التي ينبغي على المدير العربي تبنيها، ثم وضعها موضوع التطبيق العملي إذا كان راغباً و لديه الإرادة في تحسين إنتاجية العاملين معه و رفع كفاءته الإدارية..؟؟؟




العمود الأول : مفهوم الخدمة

يقول المثل العربي القديم " كبير القوم خادمهم " أي الذي يسهر على راحتهم ، و حل مشاكلهم ، و العمل على رفعتهم و تقدمهم أي بمعنى مختصر يعمل للصالح العام و الخاص ، و يقول بيتر دركر عالم الإدارة المعروف " يستمد المدير سلطاته من قبل المرؤوسين لها" أي أن المدير الناجح هو الذي لا يستخدم سلطاته بل يقنع الناس بها ، ويقول عالم التسويق فيليب كوتلر " المستهلك دائماً على حق " ، وعليه بني مفهوم التسويق الحديث الذي يبحث عن حاجات الناس و من ثم يعمل على تلبيتها .
هذه المفاهيم كانت موجودة منذ مئات بل آلاف السنين في تراثنا العربي و الإسلامي فلكم في رسول الله صلى الله عليه و سلم أسوة حسنة و الذي كان يسهر على راحة امته و سعادتها في الدنيا و الآخرة ، و من بعده الخلفاء الراشدين، وقصة أبي بكر رضي الله عنه الذي كان يسعى على الأرملة لينظف لها بيتها ، و يحلب لها عنزتها معروفة ، و عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان يحمل على كتفيه كيس الدقيق ، و يأبى أن يحمله عنه خادمه ليقدمه للمرأة التي كانت تطبخ الحصى.... أيضاً مشهورة ، وكان يقول لو أن بغلةً عثرت في العراق لخشي أن يسأله الله عنها ، هؤلاء هم القادة..... الذين قادوا أمة بكاملها بالقدوة الحسنة ، فعلى المدير العربي أن يتعلم منهم و ليس من دركر أو كوتلر الذين أخذوا علومنا و صدروها لنا نظريات حديثة، فهذا النموذج الذي يتبغي أن يسير عليه المدير العربي ، و ليس كما هو يفعل الآن ، يترك الطوابير على كاهل الموظف المسكين و يجلس في مكتبه يحتسي الشاي و يقرأ الجريدة ، و ربما يهاتف زوجته أو قريبه، بدل ان يبادر إلى معاونة هذا الموظف المسكين. طبعاً لا أقصد بذلك التعميم ، و لكن هذا النوذج السيء موجود بيننا في كافة أرجاء الوطن العربي و لا نستطيع أن ننكره و من منا لم يشاهد المدير الذي يأتي إلى عمله متأخراً أو يكون آخر من حضر للاجتماع بعد موعده المحدد ، وإذا جاء الموظف متأخراً يا ويله و سواد ليله و كما قال الشاعر :

إذا كان رب البيت للدف ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
الكرم صفة من صفات العربي في البادية التي لا يزال يتمسك بها و يعتز بها، فهي تجري مع دمائه كصفاته الأخرى من شهامة و إباء ، و عزة نفس ، و إغاثة الملهوف ، ورثها من أجداده، و هي ميزة لا يصطنعها و لا يتكلفها بل هي عفوية و سجية من سجاياه التي طبع عليها و رضعها منذ نعومة أظفاره ، و العربي البدوي معروف بالشهامة و حسن المعشر وإكرامه للضيف و استقباله له بوجه باسم و الترحيب به.
وبيت العربي الأصيل عامة و البدوي خاصة لا يخلو من دلة نحاسية مملوءة بالقهوة العربية الطازجة التي يقدمها لضيفه مع حبة تمر بعد الترحيب به و تجليسه في صدر البيت إكراماً له ، و إكرام الضيف عند البدو أمر عظيم لا يفوقه أي أمر آخر، وهي الصفة الملازمة لأهل البادية ، و هي إحدى أركان عاداتهم و تقاليدهم التي توارثوها ، فللضيف مكانة عظيمة في نفس البدوي العربي فلا يتوانى في تقديم الضيافة بأفضل ما لديه ، و قصة كرم حاتم الطائي مشهورة و معروفة و بها ساد قومه و سار ذكره في الآفاق إلى يومنا هذا ، و لا يزال العرب يتبارون و يتنافسون في إكرام الضيف ( 23 )
فالضيف متى قدم على صاحب البيت يستقبله بالترحيب و الحفاوة و في ذلك قيل في الضيف ( إذا أقبل أمير ، و إذا جلس أسير ، وإذا قام شاعر ) و معنى ذلك أنه يجب على المضيف أن يستقبل ضيفه بالحفاوة اللازمة و الترحيب الحار على قدومه ، و إظهار الوجه البشوش و الفرح لمقدمه و هو في ذلك بمنزلة "الامير " هذا ما ينبغي على المدير العربي أن يفعله للموظف ، أي إظهار الاحترام و التقدير .
وإذا جلس الضيف فهو أسير لمعازيبه أي مضيفه، فلا يجوز له أن يخرج إلا بإذنه و أن لا يخالف أصول الضيافة و العادات و التقاليد لمضيفه، و هذا أيضاً ما على الموظف العربي أن يفعله، فهو أسير الشركة أو المنظمة التي يعمل بها ، فليس له أن يخرج عن قوانينها و أنظمتها ، و تعليمات مديره.
وإذا قام شاعر، أي عند انتهاء فترة الضيافة ، فعلى الضيف عندما يغادر مضيفه، أن يذكره بخير، و يشير إلى كرمه و عطفه، وهذا ما تشير إليه الإدارة الحديثة " تحت تكنولوجيا طرد موظف" بمعنى احترام الموظف حتى آخر لحظة يغادر فيها عمله، حتى يعكس صورة طيبة عن شركته مما يرفع من سمعتها في السوق و بذلك يتم استقطاب أفضل الكفاءات لديها.
إذاً المدير العربي عليه ان يتبنى هذا المفهوم ، فإذا أراد أن يكون مديراً ناجحاً فليعامل موظفه " كضيف" أي بالاحترام و التقدير ، و ليس كعبد يمارس عليه ساديته و جبروته و قسوته و عقده النفسية ، و الاحترام لا ينفي صفة الحزم ، يقول الشاعر العربي:

فقسى ليزدجروا و لم يكُ جازماً يقسو أحياناً على من يرحم

إن جوهر الإدارة الفعالة ، أن تقول " للمحسن أنت أحسنت و للمسئ أنت أسأت "

لقد أشارت إحدى الدراسات إلى ماذا يتوقع الموظف من المديرمن وجهة نظر الموظف و من وجهة نظر المدير ، و تبين أن المدير يتصور أن الموظف يريد منه الراتب و العلاوات و الترقيات بينما في الحقيقة أن الموظف من وجهة نظره يتوقع من المدير الاحترام و التقدير و المشاركة في اتخاذ القرار.
فإذا أردت أن تكون مديراً ناجحاً ، احترم موظفك و عامله " كضيف" ، وإذا استخدمنا المديح و الإطراء بحذق و مهارة فإنهما يكونان من أقوى الحوافز لإجادة العمل ، ولكم في رسول الله صلى الله عليه و سلم أسوة حسنة ، والذي قال فيه تعإلى : " وَلَو كُنتَ فَظّاً غَليظَ القلبِ لانفضّوا من حولك " ( آل عمران : الآية 159 ) و قال تعإلى: " وقولوا للناس حُسناً " ( البقرة : الآية83 ) و قال تعإلى: " قولٌ معروفٌ و مغفرةٌ خيرٌ من صدقةٍ يتبعها أذىً " ( البقرة: الآية 263 ) و قال تعإلى: " أَلم تَرَ كيفَ ضربَ اللهُ مثلاً كلمةً طيّبةً كشجرةٍ طيّبةٍ أصلها ثابتٌ و فرعها في السماء ، تؤتي أُكلها كلَّ حينٍ " ( ابراهيم : من الآية 25-24 ) صدق الله العظيم.

وقال صلى الله عليه و سلم " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ".

إن من أقدس الأشياء في حياة الأفراد هو شعوره بالاحترام بين الآخرين ، و يمتعض الموظف و لو في صمت إذا ما بدت أقل إشارة من المدير توحي بالسخرية أو أي مظهر يوحي بترفع من جانب مديره، فالتهكم و السخرية ليس لهما مكان في الإدارة السليمة، هل حاولت يوماً أن ترضي طفلاً بعد أن أغضبته؟ إن الطفل سوف يجيب بغلظة مهما كانت آراؤك معقولة و مهما كانت مبعث الرضى لهذا الطفل، كما لو أن كل الأبواب إلى عقل هذا الطفل قد أقفلت، بل إن آراءك السارة لن تجد لديه أذناً صاغية ، هذا ما يحدث من الناحية النفسية ، و الأمر لا يختلف كثيراً مع الكبار ، إلا أن الموظف الكبير تعلم كيف يتحكم بإخفاء غضبه أكثر من الطفل. و من ثم فمن المهم أن أي اتصال ناجح مع أي فرد بقصد التأثير فيه يجب أن يبدأ بالشئ الذي يسر الموظف و يجعله يشعر بأهميته ثم وجه له ملاحظاتك بقصد تصحيحه و تحقيق مصلحته و ليس بقصد إهانته أو التقليل من احترامه. هذا ما اصطلح عليه بعملية النقد البناء :

قال الإمام الشافعي :

تخيرني بنصحك على انفرادٍ و جنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوعٌ من التوبيخ لا أرضى استماعه

يتوقع الموظف من مديره حماية مصلحته و ليس معاداتها ، و إذا كنت تريد ولاء موظفيك فيجب أن تقدر و قتهم و قدراتهم ، و هذا يعني أن تكون لديك الحساسية لفهم ذلك ، لأن المدير الذي لا يحس و لا يفكر يمكن أن يكون عديم التقدير و الاحترام ، و يتوقع منك مرؤوسيك أن تحترم شعورهم و تعاملهم كبشر ، و قد يحدث أحياناً أن تكون أعصابك مشدودة أو مجهدة و لكن ليس من المحتم أن يكونوا على علم بذلك ، و ليس في وجود المشاكل عندك ما يعطيك العذر لكي تؤلمهم ، ولسوف يقبلون هذه الحالة مضطرين حتى يجدوا عملاً آخر ، وأنت لك ميزة السلطة على مرؤوسيك و لكن إذا أسات استعمالها فأنت مدير فاشل ( 8 ، ص 53 )

وإذا استطعت حقيقةً أن تقوى القدرة على أن تضع نفسك مكان الآخرين دون أن يتأثر تفكيرك بميولك و أهوائك و أغراضك الشخصية ، و إذا كنت حقيقة تستطيع أن تتقمص الآخرين و تفكر كما يجول بفكرهم ، فإنك تكون قد قطعت شوطاً طويلاً لتكون مديراً ناجحاً على الآخرين ، و المبدأ بسيط منذ آلاف السنين " عامل الناس كما تحب أن يعاملوك " ، فوجه التحية إلى من تلقاه بلطف و على الفور ، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " تبسمك في وجه أخيك صدقة" ، و كن حسن الاستماع لهموم و مشاكل موظفيك ، و كن لطيفاً في تعليماتك و قل " أتسمح " و لا تقل " عليك أن " و إلا سوف .... " و إذا رفضت فارفض بلباقة ، و إذا أمكن اشرح الأسباب بلطف، و لا تنتقد موظفيك أمام الآخرين بل على انفراد، و ليكن نقدك بناءً ، أي ابدأ بايجابيات الموظف قبل أن تشير إلى سلبياته، و إن أشرت إليها فانتقي كلماتك بعناية ، تشير إحدى الدراسات إلى أن نجاح المدراء يعتمد بنسبة 7 % على ما في رؤوسهم من علم و خبرة ، و 23 % على كيف يقولون ما في رؤوسهم ، و الباقي 70 % على شخصياتهم من القدوة الحسنة ، و المظهر ، و الأخلاق .. الخ ، وقد أشارت إحدى التجارب إلى أن التشجيع بطريق المدح و الكلمة الطيبة هو أنجح وسيلة لجعل الناس يبذلون في عملهم قصارى جهودهم.
كما لا يجوز أن يكون فيما يطلب المدير من العامل القيام به ما ينقص من احترامه لذاته و لا يمنعه من الاحتفاظ بالكرامة التي يحرص عليها كل انسان ، فالأوامر الصارمة الغامضة و النقد في حضرة الآخرين و الأساليب التي تشعر العامل بالشك فيه و عدم الثقة ، كل هذه و أمثالها تحط من قدر العامل و تنمي شعوره بالسخط و النفور من المؤسسة ، و ففي لحظة غضب عارمة ، قد يرد عليك أو يمد يده، أو يجرح كبرياءك امام مرؤوسيك فتتقوض مؤسستك كلها دفعة واحدة ، فلا تنسى أن موظفك " عربي" تربى على الأنفة و الكبرياء و عزة النفس و الكرامة و يأبى أن يهان مهما كان الثمن ، و مهما كانت النتيجة ، فالفرد العربي حساس لا ينام على الضيم و في أمثلنا العربية مثل قيل قديماً " تجوع الحرة و لا تأكل بثديها " .
وقصة عمرو بن كلثوم مع عمر بن هند معروفة و مشهورة ، حين قال الأخير لجلسائه يوماً : هل تعلمون أحداً من العرب تأنف أمه من خدمة أمي ؟ فقالوا: نعم ، إنها أم عمرو بن كلثوم.
فأرسل عمر بن هند بدعوته لعمرو و أمه ليلى لزيارتهما، و كان قد أوصى والدته أن تطلب من والدة عمرو بن كلثوم أن تناولها الطبق " فقالت ليلى في نفور و أنفه : لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فأعادت عليها هند و ألحت ، و إذ ذاك صاحت ليلى:" واذلاه يا تغلب " .
فسمعها ابنها فثار الدم في عروقه و انتفض قائماً ، ثم نظر حوله فإذا سيف معلق بالبيت فوثب إليه و أطاح برأس " ابن هند" و أنشد معلقته المشهورة مرتجلاً و فيها :

أبا هند فلا تعجل علينا و انظرنا نخبرك اليقينا
بأنا نورد الرايات بيضاً و نصدرهن حمراً قد روينا
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
بأي مشيئة عمر بن هند تطيع بنا الوشاة و تزدرينا
تهددنا واوعدنا رويدا متى كنا لأمك مقتوينا
فحاذر أيها المدير العربي في تعاملك مع الموظف فأنت في بيئة تختلف عن بيئة العلوم الإدارية المستوردة.و عامله باحترام " الضيف" تكسب محبته وولائه و ترفع من معنوياته و إنتاجيته، و هذه غاية الإدارة الناجحة و الفعالة ، و احترام الموظف يزيد من ولائه و انتمائه للمنظمة التي يعمل فيها ، هذا بصفة عامة ،و هذا لا ينفي حاجة المدير إلى الحزم ، عندما يتطلب الأمر ذلك ، فلك قاعدة شواذ ، و قديماً قال الشاعر :

إن أنت أكرمت الكريم ملكته و إن أنت أكرمت اللئيم تمردا

*** عامل كل موظف بما هو أهل له ( الإدارة الموقفية)

فالمطلوب لين من غير ضعف و قوة من غير عنف، و امسك العصا من المنتصف ، فلا تكن ليناً فتعصر و لا صلباً فتكسر ، و خير الأمور الوسط .
كما أن علينا أن ندرك جميعاً بأن الإدارة و الموظف ( العامل) كلهم في مركب واحد ، و إذا حاول أي طرف تحقيق مصلحته على حساب الطرف الآخر فكأنما يخرق المركب من ناحيته ، فستغرق المركب و يغرق معها الجميع ، لذا تقتضي الحكمة أن يلتقي الطرفان في منتصف الطريق لتحقيق المصلحة المشتركة. الإداري الناجح هو الذي ينظر إلى جوانب القوة في مرؤوسيه و يعمل على اكتشافها و تنميتها و الاستفادة منها، كما يعمل على معالجة جوانب الضعف فيهم من خلال توجيههم أو تدريبهم ، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب .

أما المدير الفاشل فلا يرى إلا الجانب الفارغ من الكأس ، و لا يرى من مرؤوسيه إلا جوانب النقص فيهم، فيعمل على إذلالهم أو طردهم من العمل، لقد تبين من الدراسات أن 80% من الذين طردوا من أعمالهم بأن أسباب فشلهم لا تكمن فيهم ، و لكن في مدرائهم الذين فشلوا في إدارتهم، و بناءً عليه يجب معاملة الموظف " باحترام" حتى الباب الخارجي للشركة و هو ما يطلق عليه حديثاً " بتكنولوجيا طرد الموظف" ، وذلك حتى يظل يعكس صورة ايجابية عن شركته حتى بعد مغادرته لها ، لأن سمعة الشركة في المدى الطويل أهم من ربحيتهها كما يشير عالم التسويق فيليب كوتلر.


























العمود الأول : مفهوم الشورى ( المشاركة)

الشورى في أبسط صورها هي تبادل الرأي بين جماعة من الأفراد في أمر من الأمور أوهي صورة من صور النصيحة و شكل من أشكال التعاون ( 15 ، ص 127 ) ، كما إنها تعني استخراج الرأي من أصحاب الرأي بعد مراجعتهم لأمر و ممن لديهم القدرة و معرفة الصواب.وهذا يعني أن للشورى أطرافاً ، طرف يسمع و آخر يشير و أطرافاً تتحاور و تتناقش و تقلب الرأي على وجوهه المختلفة و تتبادل وجهات النظر حول الموضوع . و أصل الشورى في اللغة طلب الرأي ليبدي ما فيه من محاسن أو عيوب ، ثم النصح بما يجب فعله مبيناً ما فيه من صواب ، و الاستشارة مأخوذة من قول العرب في لسان العرب شرت العسل إذا أخذته من موضعه ، أي من قرص الشمع ، ثم صارت الكلمة تدل على معنى خاص بمعنى تقليب وجهات النظر المختلفة و صولاً للأصوب فيها ( 14، ص 15)
و خلاصة المفاهيم السابقة أنها تعني عدم التفرد في اتخاذ القرار و الرجوع إلى أهل الحكمة والسداد قبل اتخاذه ، و معرفة ما له و ما عليه و حصول المناقشة و الحوار ، للوصول إلى الصواب.
إن نظريات " العقل الجماعي " و الشعور الجمعي " و التمثيل الجمعي " و مختلف النظم الاجتماعية في البادية ليست إلا أساليب مشتركة في التفكير و في المشاعر و في القرار. و يستمد هذا التقليد و العادة من شئ مشترك في البادية العربية هو " نظام القربى" و من خلال هذا النظام القربي احتفظ العربي بحضارته ، و عاداته و تقاليده من خلال المشاركة و التعاون في السراء و الضراء .. و هذه الصفة لم تعد حكراً على البادية بل امتدت لتشمل المجتمعات العربية أينما كانت ( 16، ص 135- 128 ) .

شيخ القبيلة العربي الحكيم لا ينفرد باتخاذ القرارات الهامة و إنما لديه مجلس شورى يجتمع لديه و يتشاورون في الأمر و يتدارسونه من كافة جوانبه ، مزاياه و عيوبه ، و بعد تقليب وجهات النظر المختلفة يتخذ القرار الذي فيه مصلحة الجماعة ، ثم جاء الإسلام و عزز هذا المفهوم ، قال تعإلى " و شاورهم في الأمر " و قال أيضاً " و أمرهم شورى بينهم " صدق الله العظيم ، و روي عن أبي هريرة قال " لم يكن أحد أكثر مشورةً لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه و سلم " ( رواه البخاري )
و هناك العشرات من الأحاديث التي تدور حول المشورة مثل " المستشار مؤتمن " (رواه الترمذي) ، " ما خاب من استخار و ما ندم من استشار " ( رواه الطبراني ) . و من الثابت أن رسول الله ( ص) كان يستشير النساء ، فقد استشار أم سلمة فيما يفعل في الحديبية ، و عمل برأيها و كان رأيها سليماً ، و سلمت جماعة المسلمين من العصيان و العقوبة ، و لقد سار على نهجه من بعد أبو بكر و عمر و عثمان حيث كانوا يستشيرون أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها و غيرها في أمور المسلمين ( 7 ، ص 62-60) .

و من الرجوع إلى السيرة النبوية ، نلاحظ أن النبي ( ص ) كون مجلس شورى من المهاجرين و الأنصار منذ دخوله المدينة النورة بعد الهجرة ، و اختارهم من خيرة القوم من أهل الشورى اتلذين يرجع إليهم في الرأي و مجلس العشيرة في القبيلة العربية يقوم بهذا الدور في القبائل العربية الآن و هو يساعد شيخ القبيلة و يعينه على أداء مهمته في قبيلته بما يحقق المصلحة العامة ( 140، ص60) و على نهجه مسار الخلفاء الراشدون ، وكان عمر رضي الله عنه يقول لا خير في أمر أبرم من غير مشورة ، و كان علي بن أبي طالب يقول إن المشورة و الناظرة باب رحمة لا يضل معهما رأي .
قال القاضي الأرجاني :

شاور سولك إذا نابتك نائبةٌ يوماً و إن كنت من أهل المشورات

إن مفهوم الشورى ( المشاركة ) ضروري في إدارة الناس و تحفيزهم على الأداء ، فالعقل الإنساني مهما بلغ من الذكاء و الخبرة محدود ، و قد تصعب عليه بعض المشكلات فيحتاج إلى الرأي و المشورة المتخصصة ، فالعلم واسع لا يستطيع عقل أن يحيط به ، فعند المشورة يتبين له الصواب و يرجع إلى الأصوب إذا كان رأي غيره أفضل من رأيه ، و يستفيد من تجارب الآخرين و رجاحة عقولهم ( 4، ص 210) ، كذلك فإن مفهوم المشورة ( المشاركة ) يساهم في تعزيز العلاقة بين المدير و المرؤوسين ، و هو خير وسيلة لإزالة الشكوك و نفي الشائعات و الهواجس و الأوهام ، كما يتيح لكل فرد أن يعبر عن رأيه و يقدم أفضل ما لديه لخير الجميع ، و فيها إشعار للفرد بقيمته و أهميته في المنظمة و يصبح لديه التزام داخلي بتنفيذ القرار لأنه ساهم في صناعته ، مما يساهم في توفير الولاء للمؤسسة و استمرار العطاء و ترسيخ الراحة النفسية و زيادة الإنتاجية ( 14، ص 34 )

إن هذا المفهوم الراسخ في تراثنا و تقاليدنا العربية و الإسلامية قد درسته أوروبا و طبقته، ففي السويد 1946 ، يلتقي المدراء بممثلي العمال دورياً لتبادل الرأي في المسائل المشتركة و إيجاد الحلول للمشاكل ، و في ألمانيا هناك مجلسان ، مجلس للمدراء و آخر للعمال يلتقون دورياً لدراسة مشاكل الإنتاج و حلها .

ثم صدرت أوروبا هذه المفاهيم إلى الولايات المتحدة الأمريكية و التي تشكلت فيها نقابات العمال للدفاع عن مصالحهم تجاه الإدارة ، ثم استخلص علماؤها من تراثنا نظريات سموها مفاهيم إدارية حديثة كالإدارة بالمشاركة و الإدارة بالأهداف ، و فريق العمل و قوة العمل و صدروها لليابان تحت نظرية Z ، و الإدارة الجماعية ، ثم نعود لنستوردها من الغرب تحت مسميات دكتوراه في إدارة الأعمال و الإدارة بالأهداف و الإدارة بالمشاركة ، وننسى أن هذه المفاهيم المستوردة هي من صميم تاريخنا العربي و الإسلامي ، أليس نحن أ,لى بها و بتنفيذها و تطبيقها ، بدلاً من " فرعنة الإدارة " بمعنى تحويل المدير للاستبداد بالرأي و القرار و تبني قول فرعون " لا أريكم إلا ما أرى " و أنه الوحيد الذي يمتلك أو يحتكر الحكمة و المعرفة .

إن المدير الناجح يحيط نفسه عند تولي منصبه برجال أكفاء لحماية جانبه الضعيف ، أي الجانب الذي لا يجيده ، فيساعدوه في عمله ، و رحم الله مديراً عرف قدر نفسه ووقف عند حده ، و عرف قدر من هم حوله حتى يأمن السقوط و الزلل بسبب نقاط ضعفه ، فلا يحاول أن يكون خبيراً في كل شئ كما يفعل مدراء هذه الأيام ، و الذين يحيطون أنفسهم بالضعفاء خوفاً على كراسيهم فيسقطهم الضعفاء ، أما الأقوياء ، فإنهم يحملون موظفيهم على الأكتاف للتقدم إلى الأمام فيستريح و يستريحون ، و تزيد بذلك إنتاجية الجميع لما فيه خير المنظمة التي يعيشون من " لحم أكتافها " .

إن المدير الفعال إذا أتاه المرؤوسين أو المستشارون بمما عندهم من نصيحة ، يتصفح أقوالهم و يقلب النظر فيها و يأخذ مل تطمئن إليها قلبه و يرتاح إليها عقله ، و لا يبادر بعمل قبل مشورة ، فالتأني في الأمور أول درجات الحزم ، ففي العجلة الندامة كما قيل في الأمثال ، و كما قال الشاعر القطامي ( 14، ص16 )

قد يدرك المتأني بعض حاجته و قد يكون مع المستعجل الزلل

و من ناحية أخرى يتوقع موظفوك أن تكون مستشاراً لهم ، يبثون لك همومهم و مشاكلهم لتجد لهم حلاً لها ، أحياناً قد تجابه المدير مواقف غير سارة عليه البت فيها ، فهذا ما كان راتبك لأجله ، فلا تغضب إذا جاءك الموظف " بمشكلة " فالإدارة " فن حل المشاكل " لهذا يجب عليك أن تكون عطوفا ً و مقدراً و مستعداً لإعطاء المشورة و إسداء النصيحة ، و يجب أن تتعامل مع الأخطاء غير المتعمدة أو المشاكل الإنسانية كالغياب و التأخير ، و قلة الإنتاج و الظروف المنزلية بحسن النية ، فلا تأخذ الأمور بظاهرها ، و إن كان لديك الصبر و الموهبة لاقتفاء أثر المشكلة و معرفة منبعها و أسبابها وأصلها وتتحلى بصفة مشاركة الآخرين في مشاعرهم و القدرة على تفهم مشكلة الشخص الآخر ، و النظر إلها بإيجابية و موضوعية بعيداً عن العواطف ، و فسوف تكزن المديرالناجح الذي يرغبه الموظفون ( 8، ص 98 – 54 ) .
و من آداب النصيحة أو الاستشارة أن تقدم بالأسلوب الحكيم و في الوقت المناسب ، و المكان المناسب و بالكلمات اللينة و العبارات المهذبة ، " و من يؤت الحكمة فقد أُوتي خيراً كثيراً " ( البقرة : الآية 269 ) صدق الله العظيم .




















العمود الثالث : مفهوم حق الدخيل ( جسر العدالة) 7:45

يدور مفهوم حق الدخيل حول العدالة و إنصاف المظلوم ، فالدخيل في اللغة من دخل في قوم و انتسب إليهم و هو ليس منهم ، و الجمع دخلاء، و هي كلمة أعجمية أدخلت في كلام العرب ، و في اللغة استجار يعني استغاث به و التجأ إليه ، و في العامة بمعنى " أرجوك " فالدخيل أو المستجير هو طالب للحماية ( 6 ، ص 192 ) .
و يعتبر الدخيل كما ورد في لسان العرب كالضيف المسافر أو الزائر الذي يدخل الخيمة ليو أ, عدة أيام و لذلك يعتبر الدخيل ضيفاً ، و الضيف تجب حمايته و يحذر من الإعتداء عليه ، و لكنه ضيف جاء لمهمة و لا يجوز عدم الموافقة عليها ، إذ يعتبرا لتقصير عاراً لا يمحى ، لأن الدخيل جاء إلى شخص يعينه ووضع أمله فيه لحمايته و إذا خاب أمله فيه ، يكون قد جلب لنفسه عاراً ، فلو ذهب إلى غيره لحماه و أجاره و لما احتاج إلى تحمل كل هذه المشاق و الصعاب ( 17 ، ص 278) .

فالدخيل هو من أفراد القبيلة أو شخص غريب يطلب من كبير القوم أو شيخهم العون و الحماية من ظلم لحق به ، و لا يستطيع الحصول على حقه ممن ظلمه ، فيدخل خيمة شخص أقوى من ظالمه و يلتجأ إلى قوته للحصول على حقه إن كان مظلوماً أو ليكون في أمان إن كان يخشى سوء من آخر ، فليس من الضروري إذاً أن يكون ضيفاً و إن كان يعامل معاملة الضيف. ومن الجدير ملاحظته أن الدخيل قد لا يكون فرداً فقط و غنما يمكن أن يكون الدخلاء جماعة مظلومة ( 4 ، ص 262) .

و الدخلة على عدة أنواع و لكن في هذا المجال يهمنا دخلة الحق أي إنصاف المظلوم ، وهي كل مسعى يهدف إلى الحفاظ على العدالة ضد الظلم بكل أشكاله .
فإذا شعر البدوي بالاستهانة به أو الاعتداء عليه من قبل الآخرين سواء كان هذا الاعتداء مادياً أو معنوياً فإنه يلجأ عادة إلى أحد الشيوخ المعروفين بالخبرة و الحزم و قوة البأس لينصفه و ليعيد إليه حقه عندما يعجز عن الحصول على الحق بنفسه ، و الطريق سهلة ، إذا حصل لبدوي ظلم يتوجه إلى شيخ القبيلة القوي و يدخل إليه في بيته و يقول : " أيها الشيخ الكريم و الذائع الصيت أنا دخيل عليك " ، يأخذ بعدها كوفية حاميه و يضع العقال حول عنقه ، و هذا يعني أن يحمله مسألة شرفه و ظلامته ، و من المستحيل لدى البدو أن يطلب أحدهم حق الدخيل بهذه الطريقة و لا يجاب طلبه فوراً بإعطائه الحماية الفعالة حتى و لو كان عدوه ، ... " هذا لخيرك و حقك إن شاء الله " أي يعده بالضيافة و تحقيق العدل ، و بهذا المفهوم تسود العدالة بين قبائل العرب . ( 6،ص 192 )

إن أي مجتمع لا يمكن أن تتحقق فيه العدالة بدون عقيدة يرى المرأ فيها أن إقامة العدل أمر يثاب عليه في الدنيا و الآخرة ( 3 ، ص 20 ) و جاء الإسلام و عزز مبدأ العدالة ، قال تعإلى : " و لا يجرمنّكم شنآنُ قومٍ على ألاّ تعدلوا ، اعدلوا هو أقربُ للتقوى " ( المائدة : من الآية 8 ) و قال تعإلى أيضاً " و إذا حكمتم بين الناسِ أن تحكموا بالعدل " ( النساء : من الآية 58) صدق الله العظيم .

و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " القضاة ثلاثة ، قاضي في الجنة و قاضيان في النار " للدلالة على أهمية العدالة في القضاء بين الناس ، و ليضع القاضي بين عينيه مخافة الله . و عندما نذكر هذا الحديث ينصرف معظم أذهان الناس إلى القضاة الجالسين في المحاكم ، و ينسون جديث رسول الله صلى الله عليه و سلم " كلكم راعٍ و كلكم مسؤول عن رعيته " .

فالمدير الجالس في الشركة أو المؤسسة أو المنظمة هو قاضي و إن كان هو الآن بغير هذا المسمى قيجب أن يفهم أن حديث الرسول عن القضاة ينطبق عليه ، و بالتالي فمدير في الجنة و مديران في النار ، فإذا تبنى المدير العربي هذا المفهوم ووضع مخافة الله في وجدانه فإن كل شئ في إدارته سوف يسير على ما يرام ، فإذا خاف مقام ربه أدى عمله سواء حضر المسؤول أم غاب فعين الله لا تغفل و لا تنام ، فإننا لن نكذب عامدين لنتهم موظفاً كي نخلص أنفسنا ، و لن ننسب الفخر لأنفسنا عن أعمال قام بها بعض الذين يعملون تحت إدارتنا ، و لا ظلم لأحد عن عمد ، إن صغار الأمور هي التي قد لا نكون واثقين من عدالة تصرفاتنا فيها و مع ذلك لها أهميتها ، إن العدالة لا تتحقق بمجرد صدق الرغبة أو حسن النية بل إنهاه تتطلب جهداً لكي تصبح حقيقة واقعة .

إن المدير الذي حجز ترقية عن موظف يستحقها قد قضى ظلماً ، أو عين شخصاً تحيزاً لقرابة يكون قد قضى ظلماً ، أو حرم موظف من علاوة ليوفر على مؤسسته قد حكم ظلماً إلى آخر هذه الممارسات التي تحدث كل يوم إذاً فليتبوء مقعده من النار . إن الدراسات قد أشارت إلى أن العدالة و الإنصاف من قبل المدير في نظر غالبية العاملين هي من أهم صفات المدير الناجح، فإذا توفرت صفة العدالة ، فسوف تكون كل القرارت الإدارية من تعيين و ترقيات و علاوات و إجازات ... الخ سليمة تؤدي إلى زيادة الإنتاجية و الكفاءة الإدارية ( 8، ص 22) .

إذاً على المدير العربي أن يراعي مخافة الله في أحكامه و قراراته حتى لا يلقى في مهاوي النار حيث لا ينفع جاه و لا منصب و لا مال و لا بنون و لا سلطان . على المدير العربي أياً كان موقعه أن لا يعطي أذنه و يركب عليها أنتين لاستقبال القيل و القال من المنافقين و سماع أقوال الحاقدين و الحاسدين و الغيورين ، عليه أن يتحقق مما يسمع قبل إصدار أحكامه أو قراراته ، قال تعإلى " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأ ٍ فتبيّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " ( الحجرات 6) صدق الله العظيم .

على المدير العربي بأن لا يصدق كل ما يسمع أو إذا جاءه موظف بظلامة فعليه إنصافه فوراً كما كان يفعل أجداده من قبل ، فالناس الناجحون و المنتجون أعداؤهم كثر ،و الشجرة المثمرة هي التي يلقي الناس عليها الحجارة ، و الشجر العقيم عادةً هو أطول الشجر ، فلا عجب من سرعة وصول المنافقين و المتسلقين المناصب العليا قبل غيرهم الذين يعملون في صمت كالجندي المجهول ، فليس هناك ما هو أدعى إلى التذمر و قتل الإنتاجية بين الموظفين من شعورهم بأن العدالة غير متوافرة في مديرهم ، فهي الأساس الوحيد الأمين لكل نجاح دائم ففي إدارة الآخرين و تحفيزهم لتحقيق الأنتاجية .
هل تنتقد أحياناً الموظف لخطأ ارتكبه ثم يتبين بعد الدراسة و البحث الدقيق أن هذا الموظف لم يتدرب التدريب الكافي أو الصحيح ، أو أنه يعمل بمعدات هزيلة ، أو لأن الضوء ضعيف ، و أن إجهاد البصر و ما ينجم عنه من كد و تعب هو السبب في هذا الخطأ ، و هل تصدر أحكاماً أحياناً عن كفاية فرد من الأفراد دون روية و دون تحليل أو تمحيص لحقائق الأمور ، ثم بعد طرده نتبين أنه كان أفضلهم إنجازاً و أكثرهم إخلاصاً ، لقد تبين من إحدى الدراسات إن 80 % من الموظفين الفاشلين لا يعود فشلهم لأشياء تتعلق بهم ، و إنما لفشل مدرائهم في توجيههم التوجيه السليم .

و السؤال الآن ، هل نحن على الدوام حذرين من أن نقيم توصياتنا لزيادة المرتبات و فقاً لمعايير مدروسة تقوم على الجدارة الحقيقة و ليست قائمة على الأهواء و الأصدقاء و القرابة و النفاق ؟؟؟
إن المدير العربي لا أمل له في أن يحوز على درجة عليا من العدالة اللازمة كل اللزوم للنجاح في الإدارة إلا بمداومة التيقظ لأن يكون عادلاً حتى في الأشياء الصغيرة التي تبدو تافهة ، فيجب أن تكون مخافة الله بين عينيه دائماً فليس هناك أمر وسط في العدالة .

إن الظلم الإداري هو أبشع أنواع الظلم لأنه " مطفش " للكفاءات ، حيث تشير الدراسات بأن معدل نزوح الكفاءات العربية و الإسلامية أكثر من مائة ألف سنوياً ، كما أن الظلم قاتل لحوافز الإنتاج ، و مرض يسري في جسد التنمية فيعيق المجتمعات عن التقدم إلى الأمام ، يقول الرسول صلى الله عليه و سلم " اتق دعوة المظلوم فليس بينها و بين الله حجاب "
و قال الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه :

لا تظلمن امرئ إن كنت مقتدراً فالظلم مرتعه يفضي إلى الندم
تنام عينيك والمظلوم منتبه يدعو عليك و عين الله لم تنم

فيا أيها المدير العربي ، عيون الناس تنام و عين الله لا تنام ، فاتقوا الله في مرؤوسيكم ، و حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا و كونوا كسيدنا عمر رضي الله عنه " عدلت فأمنت فنمت " .
الخلاصة

صحيح أن النظريات الغربية في الإدارة قد ساهمت في تطوير تلك المجتمعات و تقدمها و زيادة رفاهية شعوبها ، و لكن هذه النظريات رغم أهميتها إلا أنها لم تحقق التكامل بين أطراف العملية الإنتاجية ، فأصبحت الإدارة في جهة و العاملين في الجهة المقابلة الأخرى مما أحدث صراعاً و اضطراباً ، بل و إضرابات عن العمل لتتحقيق مصالح العمال في مواجهة الإدارة التي تسعى إلى تحقيق مصالح رأس المال و أصبح كل طرف يشد الحبل إلى جهته بدلاً من أن يدركا بأن للطرفين مصلحة مشتركة و ليس بالضرورة أن تكونا متناقضتين ، وأن التعاون و التكامل بينهما سوف ينعكس إيجاباً لتحقيق مصلحة الطرفين و ليس التوجه لتحقيق مصلحة طرف على حساب مصلحة الطرف الآخر ، فقد أدت هذه الإضرابات و الإضطرابات التي لا زلنا نشهدها إلى اليوم إلى تعطيل العملية الإنتاجية بدلاً من تقدمها .

لقد جاءت نظرية الإدارة العربية اتحقيق هذا التعاون و التكامل بين أطراف العملية الإنتاجية لتحقيق المصلحة المشتركة ، فالمدير الناجح هو الذي يحقق مصلحة المنظمة من خلال تحقيق مصالح أفرادها ، لذلك تنهج هذه النظرية منهج الوسطية لتحقيق الأهداف المشتركة لجميع أطراف العملية الإنتاجية ، حيث أن كل أطراف العملية الإنتاجية في قارب واحد ، إن غرق ، غرقوا جميعاً .

كذلك يلاحظ أن النظريات الغربية في الإدارة تركزت على الوسائل ، من تحفيز أو مشاركة أو تحسين ظروف العمل من إضاءة و تكييف ... الخ ، أو تحسين العلاقة مع العاملين ، أو تنظيم الإجراءات أو وضع مبادئ للإدارة أو وضع نموذج أمثل للتنظيم إلى آخر هذه الوسائل. و لكن أياً من هذه النظريات لم تغص إلى عقل المدير و فكره و فلسفته و قناعاته و معتقداته و أثر البيئة المحيطة به في تكوين فكره ، لذلك فشل حملة هذه النظريات و حاصلوا شهادة الدكتوراه في إدارة الأعمال و الإدارة العامة عند عودتهم إلى أوطانهم و لم يكيفوا أو يطوروا أو يعدلوا هذه النظريات لتطبيقها بنجاح في مجتمعاتهم و عادوا إلى تطبيق الأساليب القديمة في الإدارة إما لاعتقادهم بأن هذه النظريات المستوردة غير قابلة للتطبيق في بلدانهم لاختلاف البيئة ، أو لأن مجتمعاتهم لم ترق بعد إلى تقبل مثل هذه الأساليب ، و إما لجهلمه في كيفية الاستفادة منها ووضعها موضع التطبيق العملي ، و بقيت عبارة عن نظريات في كتب ، و رغم تعدد الأسباب إلا أن النتيجة واحدة حيث لا زالت المجتمعات العربية متخلفة عن ركب التقدم و اللحاق بالأمم المتقدمة ، فلم نسمع في الجامعات العربية أنها خرجت عالماً مرموقاً أو عالماً يساهم في تطوير علمه بحيث أصبح معروفاً على المستوى العالمي ، و في رأي الباحث أن ذلك كله يعود إلى سوء الإدارة أولاً و أخيراً ( راجع كتاب المؤلف" دراسات في تحديث الإدارة الجامعية ")



و لمعالجة هذا الخلل يرى الباحث أهمية العودة إلى الجذور و إلى الأصالة الرعبية و قيمنا الإسلامية لإحياء التراث و المساهمة في تطوير الفكر الإداري ليس من خلال استيراد الأساليب و النظريات الإدارية فحسب ، و لكن من خلال بناء عقل المدير العربي ، بحيث يصبح لديه القناعة و لديه الإرادة للتطوير و التغيير ، بدلاً من أن يظل أسيراً للعادات و التقاليد ، حبيساً هو و نظرياته و علومه في الكتب و الأقوال دون الأفعال و التطبيق ، إذاً علينا أن نزرع في عقل المدير العربي الرغبة و الإرادة في التطوير و التغيير لكي تطرح ثمراً فيما بعد ، فإذا اقتنع المدير العربي بالفكرة تحولت إلى عقيدة ، ثم تتحول العقيدة إلى سلوك و فعل و عمل و إنجاز لقول الله تعإلى " إنَّ الله َ لا يُغيّرُ ما بقومٍ حتى يُغيّروا ما بأنفسهم " ( الرعد : من الآية 11 ) صدق الله العظيم .

هذه النظرية العربية في الإدارة التي أدعو لها لتطوير الإدارة العربية ، لا ادّعي لها الكمال بالطبع فالكمال لله وحده ، و لكنها أشبه برمي حجر في المياه الراكدة ، و التي أرجو من خلالها إلى تكوين " كرة الثلج " التي آمل أن تستمر في الدحرجة لكي تكبر و تكبر ، حتى تتبلور أبعادها و تتضح معالمها و يستفيد منها الفكر الإداري العربي المعاصر ، و بناءً عليه ، أتوجه إلى الباحثين العرب في الإدارة العربية إلى التقاط هذه الكرة بالنقد و التحليل و الناقشة و الشرح و عقد المؤتمرات حولها و تعليمها و نشرها حتى يتم إثراؤها و تطويرها لنساهم في تقدم هذه الامة " كنتم خيرَ أُمةٍ أُخرجت للناسِ تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر " ( آل عمران : من الآية 110) صدق الله العظيم .

قال صلى الله عليه و سلم " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه " ، و كلكم راعٍ و كلكم مسؤول عن رعيته " . فإذا صلحت الإدارة صلحت الشركات و المنظمات و المؤسسات و مختلف قطاعات المجتمع ، و تحققت التنمية الاقتصادية و الرفاهية الاجتماعية .

و ختاماً و كما ذكرنا آنفاً ، فإن النظرية العربية في الإدارة لا تلغي ما سبق من نظريات إدارية ، و لكنها جاءت لتكمل تلك النظريات بما يناسب بيئة و عقلية المدير العربي لتحقيق الفعالية الإدارية . و الله ولي التوفيق .












المراجع العربية:
1. د. ابراهيم الضمري ، الأفراد و السلوك التنظيمي، دار الجامعات المصرية، القاهرة ،1999

2. د. ابراهيم عبد الله المنيف ، الإدارة : المفاهيم الأسس و المهام ، دارالعلوم ، الرياض ، 1980 .

3. د. احمد العبادي ، من الإدلة القضائية عند البدو في الأردن، مجدلاوي للنشر، عمان ، 1983 .

4. د. احمد العبادي ، من القيم و الآداب العربية ، و كالة الصحافة الأردنية ، عمان ، 1976

5. أحمد أبو خوصة ، القضاء العشائري بين الماضي و الحاضر ، عمان ، 1990.
6. انطون جوسان ، العادات العربية في بلاد مؤاب ، دار الينابيع ، عمان ، 1997.
7. بسام عطية فرج ، الشورى في القرآن و السنة ، دار النشر ، عمان ، 1996.
8. جيمس بلاك ، ترجمة عبد الحليم ثابت ، كيف تكون مديراً ناحجاً ، دار الكتاب ، القاهرة ، 1991

9. د. زكي محمود هاشم ، وحدات التنظيم و طرق العمل بين النظرية و التطبيق ، مجلة الإدارة العامة ، معهد الإدارة العامة، عدد ( 55) 1978

10. د. عبد العزيز الخياط ، و أمرهم شورى بينهم ، المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية ، مؤسسة آل البيت ، عمان ، 1992

11. د. عبد العزيز مصطفى أبو نبعة ، المفاهيم الإدارية الحديثة ، مجدلاوي للنشر ، بيروت 2001

12. د. عبد العزيز مصطفى أبو نبعة ، دراسات في تحديث الإدارة الجامعية ، الوراق للنشر ، عمان ، 2004

13. د. عبد العزيز مصطفى أبو نبعة، نظرية Z اليابانية ، مكتبة الإدارة معهد الإدارة العامة ، الرياض ، 1982

14. عز الدين التميمي، الشورى بين الأصالة و المعاصرة ، دار النشر ، عمان ، 1985

15. عدنان علي النحوي ، الشورى و ممارساتها الإيجابية ، دار النحوي للنشر ، الرياض ، 1988

16. د. محي الدين صابر ، د. لويس ملكيه ، البدو و البداوة ، منشورات المكتبة العصرية ، بيروت ، 1986

17. د. محمد حسان ، تراث البدو القضائي ، دائرة الثقافة و الفنون، عمان ، 1987

18. د. محمد القاسم ، د. مهدي حسن ، المفاهيم الحديثة في الإدارة ، دار الشروق ، عمان ، 1993


المراجع الاجنبية:
1. Corlisle, Hownd M, Management: conupts and situa tions, science Reseanch Ass, Toronto, 2005.
2. Longeneckez and pringle, Management, charles E.Merrill pulgishing, Toronto 2004.
3. Tosi & Carroll, Managenent: Conting /encies, and process, Clair press, chicago,2003.
4. WWW.anhaarCom. WWW.tawyeem.com, http.l WWW.khayma.com