مقال : الإنسان ذلك اللغز - الدكتور مصطفى محمود
   

العودة   المنتدى العربي لإدارة الموارد البشرية - Arab Forum for Human Resources > جلسات للحوار > مقالات وآراء - Articles

مقالات وآراء - Articles مجموعة من المقالات المختارة لأشهر الكتاب القدامى والمعاصرين



إضافة رد
 
LinkBack (1) أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 01-04-2008, 09:05 PM   1 links from elsewhere to this Post. Click to view. #1 (permalink)
[ مدير عام ]
 
الصورة الرمزية م. أحمد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2007
الدولة: مصر
مجال العمل: هندسة
المشاركات: 1,567
نبذه:
مهندس أحمد نبيل .. أعمل في مجال تقنية المعلومات .. لكني في واقع الأمر أجد نفسي منجذبا لعلم ادارة الموارد البشرية وأسعى دائما للربط بين المجالين

افتراضي مقال : الإنسان ذلك اللغز - الدكتور مصطفى محمود

مساحة اعلانية
عجيبٌ أمر هذا الإنسان.

رقيق حنون عطوف رؤوف جداً.. في أمريكا يتوقف المرور لأن قطة خطر لها أن تتمخطر ببطء عبر الطريق.. و يتجمع الناس حول كلب مكسور الساق وقع من الدور السابع و تتسابق البلاغات إلى بوليس النجدة و إلى جمعية الرأفة بالحيوان و إلى جمعية الكلاب الضالة و يأتي طابور من العربات و يتحرك الموكب حاملا الكلب الجريح إلى مستشفى الكلاب و يظهر النبأ في الصفحة الأولى من جرائد الإقليم و يتقاطر الزوار على الكلب الراقد في جبيرة من الجبس و ترفع جمعية الرأفة بالحيوان قضية على صاحب الكلب و يترافع محامون و وكلاء نيابة و يقرر القاضي غرامة كذا ألف دولار على الجاني المجرم الذي أهمل رعاية كلبه.

هذا الإنسان الرقيق الحنون العطوف الذي تحرك وجدانه و تحركت صحافته لكلب جريح.. هو نفسه و هو عينه الذي يلقي قنبلة ذرية على هيروشيما و ناجازاكي.. يقتل فيها و يجرح و يشوه سبعة ملايين ضحية آدمية بشرية.. مايزال بعضها يجرجر حياة بائسة مفعمة بآلام سرطان العظام و المثانة و الكله و الجلد.. بينما هو الإنسان القاتل المحترف مايزال مستمراً في حرفته الرهيبة، و قد تطورت صناعة الموت على يديه من قنابل ذرية إلى قنابل هيدروجينية إلى قنابل نيوترونية إلى قنابل ذرية نظيفة.. و تأملوا معي كلمة (( نظيفة )) أي تقتل قتلا نظيفاً دون أن تترك مخلفات إشعاعية.

و مصنع الموت أو البنتاجون ينفق على صناعة الموت أضعاف أضعاف ما ينفق في مشاريع التنمية و أضعاف أضعاف ما ينفق على الحياة و العلاج و البناء و التعمير.

لا تسرعوا و تتهموا هذا الإنسان في عقله..
فهذا الإنسان لا يمكن اتهامه بنقصان العقل؛ فهو قد عبر الفضاء و مشى على القمر و أرسل سفناً إلى المريخ و الزهرة و المشتري و أرسل أقماراً صناعية إلى الشمس.. و هو قد ابتكر أجهزة يتسمّع بها إلى همس الأمواج على أطراف المجرّة..

و هو صاحب تاريخ حافل بالفكر و الفلسفة من سقراط إلى برتراند رسل، فهو إذن ليس ناقص العقل.

إذن كيف نفهمه و هو ينتقل من النقيض إلى النقيض في لحظة.. و هو يتحول من الحنان إلى الوحشية و من العقل إلى الجنون و من الشهامة إلى الغدر و من العبقرية إلى الحمق..؟

من هو ذلك الإنسان اللغز؟..

الزوجة التي تخون زوجها القوي المكتمل مع رجل ضعيف عاجز جنسياً..
و الرجل الذي يمزّق زوجته بسكين و يقول باكيا.. قتلتها لأني أحبها..
و الأوروبي المتمدن تأتيه المدنية بالعلم و وسائل الترف و الراحة و النظافة و العناية الطبية و الحياة الحافلة بالمشوقات و المشهيات و السياحات الممتعة بطول الأرض و عرضها فيقابل هذه النعمة بالعكوف على المخدرات و الإرهاب و العنف و الانتحار.

و مريض القرحة يشرب السجائر و في التدخين هلاكه.
و الطبيب العليم الخبير يشكو الكبد و يشرب الخمر و فيها دماره.. هو ليس نقص علم و لا نقص عقل فهو طبيب يعرف ما هي الخمر و ماذا تفعل في البدن.. و تراه في عيادته ينصح مرضاه بعدم تعاطي الخمور.. ثم تراه يشربها في بيته.

و الكثرة على هذه الحال.

الغالبية بهذه الصورة من التناقض و التقلب و عدم الاتزان و اضطراب المزاج و اضطراب الأفعال و التباين بين الأقوال و الأعمال.. و الخلاف بين الظواهر و البواطن و المفارقة بين السر و العلن و التلوّن و التغيّر و التبدّل..

و الأقلية القليلة..
و ربما أقل من القليل.. هم أهل الكمال.. الأطهار في السر و العلن.. الأبرار يداً و قلباً و ضميراً.. أهل الثبات الذين لا يتغيرون و إن تغيرت حولهم الدنيا.. و لا يتبدلون و لو أغرتهم الغوايات و جاذبتهم المغريات.

الواحد منهم حضارة.
لو عثرت عليه في الأدغال و بين البدائيين فهو حضارة و هو قد سبق الذين مشوا على القمر.. فهو صاحب المشوار الأطول و الأشق فهو قاهر نفسه.. و هو مؤشر التقدم الحقيقي.. بين الكثرة الكثيرة التي تفعل ما لا تقول و تقول ما لا تفعل و هو الواحد الفرد المميز الذي له سحنة نفسية بين أغلبية غالبة هي على ما قلنا من الاضطراب.. ليس لها سحنة و لا وجه.. و إنما هي تتقلب مع الأحوال و الأوقات و المصالح و تتبدل مع اللحظات و تنتقل من النقيض إلى النقيض و من الموقف إلى ضدّه.

و هؤلاء هم أهل الهوى.
و أغلب الناس أهل الهوى.
و لا يقر لأهل الهوى قرار.
لأن الهوى لا يقر له قرار.

و هم مؤشر تخلف و إن لبسوا الحرير و تقنعوا بالشهادات و تفاخروا بالتكنولوجيا و الاختراعات.

فالسؤال بالنسبة للإنسان ليس ماذا جمع من مال، و لا ماذا حصّل من علم، و لا ماذا شيّد و لا ماذا اخترع.. و لكن ماذا صنع بنفسه أولا.. ذلك هو الإنجاز الأول.. و هو الأساس الذي سوف يبني عليه كل ما يأتي بعده..

و هو الأساس الذي يكون به تقييم كل شيء..
و هو ما نسميه بالأخلاق.

يقول الله تعالى لمحمد عليه الصلاة و السلام في القرآن:
( و إنك لعلى خلق عظيم ).
لم يقل له (( و إنك لعلى علم عظيم )).
فقد رأينا العلم في أمريكا و أوروبا و روسيا و ماذا يصنع بدون خلق..
و رأينا أن الصعود الصعب هو أن تصعد على نفسك و تملك ناصيتها و ليس أن تصعد إلى القمر و تمشي عليه.

و لهذا تحدّث القرآن عن المؤشر الحقيقي و الأزلي للعظمة الإنسانية و هو العظمة الخُلقية.. أما الأمجاد الأخرى فهي أمجاد قابلة للتقليد، ألم تقلد اليابان التكنولوجية الأمريكية في سنوات قليلة و تتفوق عليها و تزاحمها في جميع الأسواق.

فمن استطاع أن يقلد النبي في كمالاته الخُلقية.. و من استطاع أن يفوقه..؟؟

ذلك هو المعراج المستحيل على عامة الناس و جماهيرهم.. لا يصعده إلا نبي.. و لا يقوى على السير فيه إلا أفراد هم الصدّيقون و الشهداء و الأبرار و الأولياء.. و هم معدودون في كل أمة و في كل عصر.

بهم تقوم أركان الدنيا و يحفظ الله ببركتهم الأرض.
و بانقطاعهم.. يهدم الله عمارة الكون.. و يقيم القيامة.. حينما لا تبقى إلا حثالة لا تستحق أن تطلع عليها شمس.



المصدر: كتاب (( هل هو عصر الجنون ))
للدكتور مصطفى محمود
__________________
تعلم الايجابية .. ولا تكن سلبيا
 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إعلانات
 

منتديات آراءنا
شاركنا مجتمعنا الصغير وتحدث بُحرية حول كل شيء!
www.araana.com

 
إضافة رد

الكلمات الدليلية
محمود, مصطفى, مقال, اللغز, الدكتور, الإنسان, ذلك


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة
الانتقال السريع

LinkBacks (?)
LinkBack to this Thread: http://www.hrdiscussion.com/hr508.html
أرسلت بواسطة For Type التاريخ
مقالات وآراء - Articles This thread Refback 04-02-2008 04:18 PM

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مقال : الدين ... ما هو ؟؟ - الدكتور مصطفى محمود م. أحمد مقالات وآراء - Articles 0 01-04-2008 09:00 PM
مقال : عن الانتحار - الدكتور مصطفى محمود م. أحمد مقالات وآراء - Articles 0 01-04-2008 08:45 PM
مقال : الأصنام - الدكتور مصطفى محمود م. أحمد مقالات وآراء - Articles 0 01-04-2008 08:43 PM
مقال : شق في الحائط - الدكتور مصطفى محمود م. أحمد مقالات وآراء - Articles 0 01-04-2008 08:35 PM
مقال : الابتهال - الدكتور مصطفى محمود م. أحمد مقالات وآراء - Articles 0 01-04-2008 08:31 PM


الساعة الآن 02:08 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.7.4
Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع حقوق النشر محفوظة للمنتدى العربي لإدارة الموارد البشرية
الموقع من تصميم وتطوير : م. أحمد نبيل
 
 
1 2 5 7 8 9 10 12 13 14 18 20 22 23 24 25 27 28 29 33 34 35 37 38 39 42 43 45 47 48 51 54 55 57 59 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 94 97 98 102 105 109 110 112 113 114