حكم اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية في النظام السعودي

بعد أن ذكرت طبيعة المنازعات الإدارية في النظام السعودي، وأن ديوان المظالم يعتبر القضاء الإداري في المملكة العربية السعودية، وصاحب الاختصاص الأصيل بنظر المنازعات الإدارية التي طرفها الدولة.
وأنه المختص بالإشراف على التحكيم في العقود الإدارية بداية من اعتماد وثيقة التحكيم وحتى تذييله بالصيغة التنفيذية إذا أيد الديوان حكم هيئة التحكيم.
في هذا المبحث سيكون الحديث في هذا المبحث،إن شاء الله،عن موقف النظام السعودي من التحكيم في العقود الإدارية في النظام السعودي.
وسيكون ذلك على ضوء نظام لتحكيم الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/46 وتاريخ 12/3/1403هـ،وأحكام ديوان المظالم القرارات التحكيمية، وعن شرط الموافقة الأولية على التحكيم في العقود الإدارية في النظام السعودي.


المبحث الأول
حكم اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية في النظام السعودي
المطلب الأول:حكم اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية على ضوء نظام التحكيم الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/46 وتاريخ 12/3/1403هـ.
المطلب الثاني:حكم اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية على ضوء أحكام ديوان المظالم والقرارات التحكيمية.
المطلب الثالث:شرط الموافقة الأولية على التحكيم في العقود الإدارية في النظام السعودي.


المطلب الأول
حكم اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية على ضوء نظام التحكيم الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/46 وتاريخ 12/3/1403هـ
في هذا المطلب سوف أبين،إن شاء الله،حكم اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية على ضوء نظام التحكيم الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/46 وتاريخ 12/3/1403هـ.
وأود قبل أن أدخل في دراسة نظام التحكيم أن أذكر التطور التاريخي للتحكيم في العقود الإدارية في المملكة العربية السعودية، لأمرين:
الأول:لم أجد أحداً تطرق لذكر النشأة التاريخية للتحكيم في العقود الإدارية في النظام السعودي.
الثاني:أهمية معرفة التطور التاريخي الذي حصل للجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية في المملكة العربية السعودية لمعرفة موقف النظام السعودي من التحكيم في العقود الإدارية.
قبل صدور قرار مجلس الوزراء رقم 58 في تاريخ 17/1/1383هـ لم يكن هناك أي تنظيم للتحكيم في الدعاوى الإدارية بشكل عام في النظام السعودي وإنما كان تنظيم التحكيم يتعلق بالمنازعات التجارية َوفْقَ ما نُظم في (النظام التجاري) ([1]) الصادر بالأمر السامي رقم 32 وتاريخ 15/1/1350هـ.
وبناء على ما لاحظه ديوان المظالم من قبول بعض الوزارات أن يكون القانون السويسري أو بعض المراجع القضائية الأجنبية مرجعا لحل الخلافات الناشئة بينها

وبين الشركات الأجنبية المتعاقدة معها،اقترح بأن يكون ديوان المظالم هو المراجع القضائي لحل كل خلاف ينشأ بين الجهات الإدارية والشركات ([2]).
على ضوء ذلك صدر قرار مجلس الوزراء رقم 58 في تاريخ 17/1/1383هـ الذي نص على أنه :"لا يجوز لأي جهة حكومية أن تقبل التحكيم كوسيلة لفض المنازعات التي تنشب بينها وبين أي فرد أو شركة أو هيئة خاصة ويستثنى من ذلك الحالات الاستثنائية التي تمنح فيها الدولة امتيازا هاما وتظهر لها مصلحة قصوى في منح الامتياز متضمنا شرط التحكيم".
ترتب على صدور القرار ما يأتي:
أولاً:يعتبر هذا القرار أول تنظيم للتحكيم فيما يتعلق بالمنازعات الإدارية،والتي منها منازعات العقود الإدارية في النظام السعودي.
ثانياً:بين هذا القرار أن الأصل في التحكيم في المنازعات الإدارية في النظام السعودي الحظر،ولذا فإن الجهات الإدارية ممنوع عليها فض خلافاتها مع الأشخاص الطبيعيين والمعنويين عن طريق التحكيم.
ثالثاً:القرار حظر على الجهات الإدارية التحكيم سواء كان تحكيما داخلـيًّا أو خارجـيًّا دولـيًّا فالقرار جاء مجملا حيث لم يفرق بين التحكيم الداخلي والدولي.
رابعاً:استثنى القرار التحكيم في منازعات العقود الإدارية دون بقية المنازعات الإدارية الأخرى،وبصفة خاصة عقود الامتياز التي تتضمن مصالح حيوية للدولة،وهذا يظهر اهتمام النظام السعودي بالتحكيم في المنازعات الإدارية.

خامساً:بيّن القرار أنه يجب على الجهات الإدارية قبل طلب أو قبول التحكيم أخذ موافقة الدولة.
وذهب البعض([3])إلى أن القرار المشار إليه قد ذكر استثناء آخر للجوء الجهات الإدارية إلى التحكيم وهو الخلافات الفنية.
إلا أن المتأمل لقرار مجلس الوزراء رقم 58 يلاحظ عدم وجود أي استثناء لهذه الخلافات الفنية مع أن الاستثناء يجب أن يكون واضحا وصريحا،فالقرار صريح وواضح بقصر التحكيم على عقود الامتياز.
وتطبيقاً لهذا القرار أصدر مجلس الوزراء قراره رقم 1007 وتاريخ7/7/1388هـ بقبول التحكيم في العقد المبرم بين أمانة مدينة الرياض وأحدى الشركات لمشروع تطوير مدينة الرياض على أن يعود الأمر إلى ديوان المظالم للبت في النزاع عند اختلاف المندوبين في الوصول إلى تسوية .
كما أن هناك حالات أخرى تضمنت اللجوء إلى التحكيم من ذلك عقود مشاريع إنشاء الصرف الصحي في كل من مدينة الرياض وجدة بين وكالة البلديات بوزارة الداخلية وبعض المقاولين الأجانب([4]).
ظل العمل في هذا القرار المنظم للتحكيم لمنازعات العقود الإدارية خلال تلك الفترة الزمنية حتى صدور نظام التحكيم الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/46


وتاريخ12/7/1403هـ فبصدوره انتهى العمل بهذا القرار،وبدأت مرحلة جديدة لتنظيم التحكيم في منازعات العقود الإدارية في النظام السعودي.
فقد نصت المادة الثالثة منه على أنه:"لا يجوز للجهات الحكومية اللجوء للتحكيم لفض منازعاتها مع الآخرين إلا بعد موافقة رئيس مجلس الوزراء، ويجوز بقرار من مجلس الوزراء تعديل هذا الحكم".
يستدل من هذا النص ما يلي:
أولاً:أن النظام السعودي يجيز التحكيم في المنازعات الإدارية،والتي منها منازعات العقود الإدارية.
ثانياً:يجب على الجهات الإدارية إذا رغبت في اللجوء إلى التحكيم في منازعات العقود الإدارية طلب موافقة رئيس مجلس الوزراء([5])؛ أي أن الموافقة فقط لرئيس المجلس الوزراء دون بقية أعضاء المجلس.
ثالثاً:لجوء الجهات الإدارية للتحكيم شامل لجميع المنازعات مهما كان نوع الدعوى الإدارية بخلاف المرحلة الأولى التي كانت لا تشمل إلا منازعات عقود الامتياز.
والمنازعات الإدارية التي يشملها التحكيم تدخل في المنازعات الإدارية التي من اختصاص ديوان المظالم بموجب النص النظامي، أو بما له من ولاية عامة بنظر المنازعات الإدارية،أو كانت متعلقة بمنازعة حول ملكية عقار يختص بها القضاء العام،أو كانت منازعة تختص بها اللجان الإدارية ذات الاختصاص القضائي،مثل المنازعات العمالية التي تختص بها اللجان العمالية بوزارة العمل،والتي نص نظام
العمل الصادر بالمرسوم الملكيرقـم م / 51 التاريخ:23/8/1426هـ على

جواز اللجوء إلى التحكيم في المنازعات العمالية التي تنشأ بين الجهات الإدارية وعمالها([6]).رابعاً:انتهاء العمل بقرار مجلس الوزراء رقم 58 في تاريخ 17/1/1383هـ([7]).





المطلب الثاني
حكم اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية في النظام السعودي
على ضوء أحكام ديوان المظالم والقرارات التحكيمية

في هذا المطلب سوف أبين،إن شاء الله،موقف ديوان المظالم من اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية علما أن ديوان المظالم بعد استقراء وسؤال لم يتصد إلا لقضية واحدة صدر فيها عدة أحكام،وهي التي ستكون موضوع الدراسة لمعَرفَة موقف ديوان المظالم من اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية.
وستكون دراسة الأحكام الصادرة بالتركيز على معَرَّفَة موقف ديوان المظالم من مسألة اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية فقط دون الدخول في الأحكام الإجرائية التي وردت فيها.
كما سأقوم إن شاء الله،في هذا المطلب ببيان موقف النظام السعودي من اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية على ضوء القرارات التحكيمية،وسوف أتعرض
للقرار الصادر بخصوص المنازعة بين حكومة المملكة العربية السعودية وشركة أرامكو،وسوف تكون الدراسة لمعَرَّفَة موقف النظام السعودي من اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية باعتباره طرفا في هذه المنازعة دون الخوض فيما قرره المحكم في تلك المنازعة.
وذلك على حسب التقسيم الآتي:
الفرع الأول:حكم اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية على ضوء أحكام ديوان المظالم.
الفرع الثاني:حكم اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية على ضوء القرارات التحكيمية.

الفرع الأول
حكم اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية على ضوء أحكام ديوان المظالم

كما سبق بيانه فإن ديوان المظالم لم ينظر بخصوص التحكيم في العقود الإدارية إلا قضية واحدة هي القضية رقم 235/ق/2/1416هـ المقامة من شركة أوجيم بي في الهولندية ضد جامعة الملك عبد العزيز.
وتتلخص وقائعها في أن شركة أوجيم بي في الهولندية تعاقدت مع جامعة الملك عبد العزيز على تصميم وتنفيذ المرافق المؤقتة جاهزة التركيب بمبلغ 112،652،077ريالاً.
وقد نص العقد المبرم بينهما في المادة التاسعة عشرة:"على أن .... تحال كل أنواع النزاع أو الخلافات إن وجدت،والتي لم يصبح قرار المهندس فيها نهائيا وملزما.... إلى التحكيم الذي يتكون من ثلاثة أعضاء".
في أثناء تنفيذ العقد حدثت منازعة بين جامعة الملك عبد العزيز وشركة أوجيم بي في الهولندية فاتفق الطرفان على حلها بصورة نهائية عن طريق التحكيم.
تم اختيار هيئة تحكيم من قبل الطرفين وأكدا على نهائية قرارها والإلزام به، وأصدرت هيئة التحكيم قرارها المتضمن الآتي:
أولاً:أن تدفع جامعة الملك عبدالعزيز لشركة أوجيم مبلغاً هو 7،779،566،77ريالاً.
ثانياً:إلزام الجامعة بالإفراج عن الضمانات البنكية المقدمة من شركة أوجيم وقيمتها 22،031،553ريالاً.
ثالثاً:أن تقدم الجامعة إلى وزارة المالية طلبا لإعفاء المدعية من غرامات التأخير.


قامت الجامعة بالإفراج عن الضمانات البنكية ودفعت للشركة الهولندية مبلغا وقدره 6،499،377،26ريالا وامتنعت عن دفع بقية المبالغ الملزمة من قبل هيئة التحكيم الوارد في البند أولا من قرارها.
تقدمت شركة أوجيم بي في الهولندية إلى ديوان المظالم بدعوى طلبت فيها إصدار حكمه بإلزام جامعة الملك عبدالعزيز بتنفيذ قرار هيئة التحكيم، وإلزامها بدفع مبلغ 1،280،189،50ريالاً الفرق بين المبالغ المستحقة لها حسب قرارا
هيئة التحكيم والمبالغ التي دفعتها الجامعة لها استنادا إلى أن قرارات لجنة التحكيم قضائية واجبة التنفيذ.
قيدت اللائحة التي تقدمت بها الشركة الهولندية قضية بالرقم المشار إليه وتم إحالتها إلى الدائرة الإدارية التاسعة التي قامت باستدعاء جامعة الملك عبدالعزيز للجواب على دعوى شركة أوجيم بي في الهولندية.
حضرت جامعة الملك عبدالعزيز أمام الدائرة وردت على دعوى الشركة الهولندية وعلى ماطلبته بعدة دفوع ما يعنينا منها ما دفعت به بما قررته:"أنه على التسليم بما قررته لجنة التحكيم فإن اللجوء إلى التحكيم في منازعة هذا العقد أمر غير نظامي؛لأن المختص في نظر هذه المنازعة هو ديوان المظالم بمقتضى قرار مجلس الوزراء رقم (58) وتاريخ 17/1/1383هـ الذي نص على أنه:"لا يجوز لأي جهة حكومية أن تقبل التحكيم كوسيلة لفض المنازعات التي تنشب بينها وبين أي فرد أو شركة أو هيئة خاصة"،وكذلك الفقرة (ب) من ذات القرار التي نصت على أنه:"في الحالات التي تتضمن العقود التي تبرمها أي وزارة نصوصا تخالف نظام مشتريات الحكومة وتنفيذ مشروعاتها وأعمالها،أن يحال العقد إلى ديوان المظالم للبت فيه بما يحقق العدالة".


بعد دراسة الدعوى من قبل الدائرة رأت([8]) أن لجوء الجامعة إلى التحكيم واشتراطه والموافقة عليه في هذا العقد أمر غير نظامي لمخالفته قرار مجلس الوزراء
رقم 58 وتاريخ 17/1/1383هـ بمنع الجهات الحكومية من اللجوء إلى التحكيم لفض المنازعات التي قد تنشب بينها وبين أي فرد أو شركة أو هيئة خاصة حيث إن الأصل أن نظار المال العام وكلاء عن ولي الأمر يتصرفون في تلك الأموال فيما يحقق المصلحة العامة وفي حدود ما نظمه ولي الأمر.
وانتهت([9])إلى أنه إعمالا لقرار مجلس الوزراء رقم 487 وتاريخ 5/8/1398هـ الذي عهد لديوان المظالم النظر في العقود التي تتضمن نصوصا تخالف النظام.
وأنه تحقيقا للعدالة فإنه يستلزم الأخذ بقرار هيئة التحكيم؛لأن الأصل الشرعي هو الوفاء بالعقود لقولة تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ } ([10])ولقول رسول eالمسلمون على شروطهم ) ([11]).
لأن اشترط التحكيم في العقد المبرم بين الشركة والجامعة وموافقة الطرفين على إحالة النزاع الناشئ بينهما إلى التحكيم،وهو أمر جائز شرعاً،وبالتالي يكون الإلزام به متوافقًا مع مقتضى العدالة،وللجهة الإدارية الرجوع إلى المتسبب في مخالفة النظام من منسوبيها([12]).


وأضافت الدائرة أن الأصل الذي عليه جماهير أهل العلم هو الإلزام بحكم المحكمين في الأموال ديانة وقضاء،وأنه لا يمكن نقض حكم المحكمين إلا بما ينقض به حكم القاضي([13])([14]).
بناء على ذلك أصدرت الدائرة حكمها بإلزام جامعة الملك عبدالعزيز بأن تدفع مبلغ 1،280،189،50ريالا لشركة أوجيم أي بي في الهولندية،وهو يمثل الفرق بين المبالغ التي قررتها هيئة التحكيم للشركة،والمبالغ التي دفعتها الجامعة لها.
تم الاعتراض على حكم الدائرة فرفعت أوراق القضية إلى هيئة تدقيق القضايا(الدائرة الأولى) ([15]) التي لم توافق الدائرة فيما انتهت إليه من جواز اللجوء إلى التحكيم في العقد الإداري.
تأسيساً على أن التحكيم ممنوع في فض المنازعات التي تنشب بين الجهات الحكومية وبين أي فرد أو شركة أو هيئة،وذلك إعمالا لقرار مجلس الوزراء رقم 58 وتاريخ 17/1/1383هـ والمتضمن أنه:"لا يجوز لأي جهة حكومية أن تقبل التحكيم كوسيلة لفض المنازعات التي قد تنشب بينهما وبين أي فرد أو شركة أو هيئة خاصة" وليس هنا ما يقيد هذا القرار أو يخصصه([16]).


دراسة تحليله:
بدراسة قرار مجلس الوزراء رقم 58 وتاريخ 17/1/1383هـ المتضمن أنه:"لا يجوز لأي جهة حكومية أن تقبل التحكيم كوسيلة لفض المنازعات التي قد تنشب بينهما وبين أي فرد أو شركة أو هيئة خاصة".
وهو القرار الذي دفعت به الجهة الإدارية بعدم صحة قرار التحكيم في النزاع الناشئ بينها وبين الشركة.
وهو القرار الذي رأت الدائرة أنه يجعل اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية أمراً غير نظامي.
وهو القرار الذي استندت عليه هيئة التدقيق من ضمن أسبابها في نقض حكم الدائرة باعتباره لا يجيز للجهات الإدارية اللجوء إلى التحكيم لفض منازعاتها مع الغير حيث لا يوجد ما يقيده أو يخصصه.
أرى أن الاستناد إلى هذا القرار للحكم بعدم جواز اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية أمر محل نظر لأمرين:
الأول:لأن العمل بالقرار رقم 58 وتاريخ 17/1/1383هـ انتهى بصدور المادة الثالثة من نظام التحكيم،والتي لها دور هام في بيان وجهة نظر النظام السعودي في حكم لجوء الجهات الإدارية إلى التحكيم في منازعاتها بشكل عام وبشكل خاص في منازعات العقود الإدارية،والتي يجب عدم إغفالها.
وذلك باعتبار أن حكم قرار مجلس الوزراء ملغي أو مقيد بنص المادة الثالثة من نظام التحكيم.
لأن القرار بين حكما مفاده منع الجهات الإدارية من اللجوء إلى التحكيم،والمادة الثالثة من نظام التحكيم بينت حكـما مفاده جواز لجـوء الجهات الإدارية إلى


التحكيم بشرط موافقة رئيس مجلس الوزراء،أو منع الجهات الإدارية من اللجوء إلى التحكيم إلا إذا كانت موافقة من رئيس مجلس الوزراء.
وبناء على ذلك فالمادة الثالثة من نظام التحكيم لا تعدو إما أن تكون ناسخة للقرار وإما مقيدة له.
فإذا اعتبرنا أن المادة الثالثة ناسخة للقرار لتأخر تاريخ النظام على تاريخ القرار كان حكم القرار ملغي بنسخة،لأن النسخ إبطال للحكم؛لأنه رفع له([17]).
وإذا اعتبرنا أن المادة الثالثة مقيدة لمطلق القرار لاتحاد حكمهما وهو المنع؛لأن التقييد اشتراط والمطلق محمول على المقيد([18])،وذلك باشتراط موافقة رئيس مجلس الوزراء على التحكيم،فإنها تكون قيداً لإطلاق منع الجهات الإدارية للجوء إلى التحكيم،هذا عند إعمالنا لقواعد علم أصول الفقه.
كما يمكن الاستناد على أن حكم قرار مجلس الوزراء ملغي من القواعد القانونية، وذلك أن نظام التحكيم صدر بموجب مرسوم ملكي،أما قرار مجلس الوزراء فإنه صدر بموجب قرار من مجلس الوزراء،وعلى القول أن حكمهما مختلف أو غير مختلف فإن الأداة النظامية التي صدرت بها المادة الثالثة أقوى من الأداة التي صدر بها القرار،وبالتالي يُعمل حكم المادة التي صدرت بأداة أقوى.
وبيان ذلك أن المرسوم الملكي باعتباره قرارًا مكتوبًا صادرًا من الملك باعتباره رئيسا للسلطة التنظيمية في المملكة العربية السعودية فإنه يعـطي النظام قوة في

التنفيذ،كما أن هذا النظام تم عرضه على مجلس الوزراء ونظر فيه باعتباره أيضاً سلطة تنظيمية،وبالتالي فإن نظام التحكيم يعبر عن إرادة الملك ومجلس الوزراء معا،فالأداة التي صدر بها تكون أقوى من أداة قرار مجلس الوزراء الذي عبر فقط عن إرادة المجلس ويصدر منه فقط وينسب إليه وليس إلى رئيسه([19]).
وبالتالي فإن الاستشهاد بالقرار على عدم نظامية اللجوء إلى التحكيم في منازعات العقود الإدارية غير صحيح لمعارضته لنص المادة الثالثة من نظام التحكيم.
الثاني:إن الدائرة رأت صحة التحكيم في هذه القضية بناء على مقتضيات العدالة،ولأنه عقد يجب الوفاء به،وأن عقد التحكيم عقد صحيح وملزم وأن خالف نص القرار،وأن"للجهة الإدارية الرجوع إلى المتسبب في مخالفة النظام من منسوبيها"([20]).
ومع موافقتي للنتيجة التي انتهت إليها الدائرة بخصوص صحة التحكيم، إلا أني أرى أن هذه النتيجة لم تبن على سبب صحيح.
حيث إن السبب الذي يتم الاستناد إليه على صحة هذا التحكيم يبنى على المادة الثالثة من نظام التحكيم.
أما فيما يتعلق بموافقة رئيس مجلس الوزراء على هذا التحكيم فإن عدم الموافقة لا تؤثر على صحة التحكيم حيث إن هذه الموافقة المخاطب بها الجهة الإدارية دون المتعاقد معـها،فإذا أُبْرِمَ عقد تحكيم دون أخذ الموافقة فإن ذلك لا يرتب بطلان

عقد التحكيم،فخطأ جهة الإدارة لا يرقى إلى إبطال عقد التحكيم، وإنما يمثل خطأ بحقها([21]).


الفرع الثاني
حكم اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية على ضوء القرارات التحكيمية

يعتبر النـزاع الحاصل بين المملكة العربية السعودية وشركة أرامكو من أوائل القرارات التحكيمية الصادرة في منازعة عقد إداري.
وتتلخص وقائع هذا النزاع أنه في 25/مايو/1933م أبرمت حكومة المملكة العربية السعودية مع شركة استندراد اتفاقا باستغلال البترول يخول هذه الأخيرة امتيازا مدته ستون عاما في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية.
وإعمالا لنص المادة 32 من عقد الامتياز المبرم بين الطرفين تم إنشاء شركة كاسكو التي تنازلت لها الشركة الموقعة عن كافة الحقوق والامتيازات الناجمة عن عقد الامتياز ووافقت الحكومة السعودية على هذا التنازل.
وفي 31 يناير 1944م غيرت الشركة اسمها من كاسكو إلى شركة أرامكو.
في 20 يناير 1954م أبرمت حكومة المملكة العربية السعودية اتفاقاً مع مجموعة شركات أوناسيس على أن يؤسس شركة خاصة تحمل اسم شركة ناقلات البـحرية السعـودية ويطلق عليهـا شركة (ساتكو) ويتم رفع العلم السعودي


عليها،وتقوم هذه الشركة بنقل البترول السعودي من موانئ السعودية في الخليج العربي لأي من موانيها على البحر الأحمر.
تضمن العقد المبرم بينهما أن لشركة (ساتكو) حق الأفضلية في شحن البترول ومنتجاته المصدرة عن طريق البحر من السعودية إلى الدول الأجنبية.
اعترضت شركة أرامكو على الاتفاق المبرم بين الحكومة السعودية وشركة ساتكو؛لأنه يتعارض مع اتفاق الامتياز الممنوح لها 1933م.
لحل هذا النزاع الناشئ بينهما اقترحت حكومة المملكة العربية السعودية عرض هذا النزاع على التحكيم.
أُبْرِمَ اتفاق التحكيم بين الحكومة السعودية وشركة أرامكو في 23/فبراير/1955م،والذي نص في المادة الرابعة منه على أن تتولى هيئة التحكيم الفصل في النزاع طبقا للقانون السعودي.
والمقصود بالقانون السعودي هو القانون الإسلامي تبعا للمذهب المطبق في المملكة العربية السعودية،وهو مذهب الأمام أحمد بن حنبل،وذلك إذا كان يتعلق بالمسائل الداخلة في اختصاص المملكة العربية السعودية،أما إذا كان يتعلق في المسائل التي لا تقع داخل إطار اختصاص المملكة العربية السعودية فيتم الفصل في النزاع طبقا للقانون الذي ترى محكمة التحكيم تطبيقه.
تم عرض موضوع النزاع على هيئة التحكيم التي رأت أنه من الواجب عليها حتى يتم تحديد القانون الواجب التطبيق على المنازعة أن تقوم بتكييف العلاقة القانونية في العقد المبرم بين الطرفين(محل المنازعة) من أجل معرفة ما إذا كان عقد الامتياز المبرم بين الحكومة السعودية وشركة أرامكو يعد تصرفا صادراً بالإرادة المنفردة أو عقدًا عامًا أو عقدًا إداريًّا أو عقدًا من عقود القانون الخاص.


بعد استماع هيئة التحكيم لطرفي الدعوى والحجج المقدمة من كليهما انتهت إلى أن القانون السعودي لا يعرف القانون العام أو فكرة القانون الإداري المعروف
في القانون الفرنسي،وأن فقه الأمام أحمد بن حنبل لا يتضمن آية قاعد تتعلق بالامتيازات المتعلقة بالمعادن،ومن باب أولى المتعلقة بالبترول.
وبناء عليه رفضت هيئة التحكيم الأخذ بوجهة النظر التي أبدتها الحكومة السعودية،وهي أن الفقه الإسلامي بناء على ما ذكره ابن تيمية لا يفرق بين المعاهدات المبرمة بين الدول وعقود القانون العام أو العقود الإدارية والعقود المدنية أو التجارية فكل هذه الاتفاقيات تحكمها قاعدة ثابتة واحدة هي قاعدة أن العقد شريعة المتعاقدين([22]).
انتهت هيئة التحكيم في تكييف عقد الامتياز المبرم بين الحكومة السعودية وشركة أرامكو من المذكرات المقدمة من الحكومة السعودية ومن المناقشات الشفوية التي تمت أن العقد المبرم بين الطرفين يعتبر عقدا غير مسمى لا يمكن إدراجه في الطوائف القانونية المعتادة ورفضت اعتباره عقدا إداريًّا؛لأن القانون السعودي لا يعرف هذه الطائفة من العقود([23]).
وبعد أن نظرت هيئة التحكيم في موضوع المنازعة أصدرت قرارها في 23/أغسطس/1958مبأن اتفاق الحكومة السعودية مع شركة أوناسيس لا يخل بأي حق مكتسب لشركة أرامكو؛لأن عقد الامتياز بين المملكة العربية السعودية


وشركة أرامكو ليس فيه تقييد لحرية السعودية في اختيار كيفية نقل صادرات النفط ([24]).

دراسة تحليله:
أولاً:إن ما توصلت إليه هيئة التحكيم في تكييفها للعقد بأنه ليس عقدًا إداريًّا غير سليم.
حيث إنها بدأت بدارسة القانون الواجب التطبيق،ثم إنزال العقد عليه فرأت أنه لما كان القانون السعودي لا يعرف القانون الإداري فإن العقد لا يعتبر إداريًّا.
فهي لم تقم بدارسة العقد لمعرفة هل هو عقد إداري،وبالتالي تطبق عليه قواعد القانون الإداري أم أنه عقد خاص مع أن العقد إذا كان إداريًّا فإنه بعد إبرامه يكون إداريًّا و لا تتغير حاله باعتبار كون القانون الواجب التطبيق يعرفه أم لا.
وكان على هيئة التحكيم أن تطبق القانون الذي تراه محققا للعدالة المطلوبة؛لأنها هي غاية لدى العقلاء والمحكمين والقضاة.
مع أني أرى أن التكييف الصحيح للعقد المبرم بين المملكة العربية السعودية وشركة أرامكو يعتبر عقدا من العقود الإدارية لكونه عقد امتياز وهو من العقود المعروفة في القانون الإداري.
ثانياً:أرى أن ما ذكره المحكم من عدم معرفة القانون السعودي للقانون الإداري لا يسلم له،وإنما ينم عن جهل من هيئة التحكيم بحقيقة القانون السعودي الذي مصدرة الشريعة الإسلامية وما يصدر من أنظمة متطابقة مع الشريعة الإسلامية.
ومن المعلوم أن أحكام الفقه الإسلامي زاخرة بالحلول الناجعة للفصل في أي نزاع،سواء كان مثارة عقدًا إداريًّا أو خاصاً،ولقد بينت الحكومة السعودية لهيئة التحكيم ذلك،ولكن لم تأخذ بوجهة النظر السعودية.
ثالثاً:إن النظام السعودي يرى جواز اللجوء إلى التحكيم لفض منازعات العقود الإدارية منذ وقت بعيد،وقبل أن تعرفه النظم المعاصرة،وقبل أن يعرف وينتشر حيث إنه هو الذي عرض التحكيم لحل النزاع الذي بينه وبين شركة أرامكو. ومما يؤكد على ذلك أن عقود البترول التي كانت تبرمها المملكة العربية السعودية مع شركات البترول كانت تنص على اللجوء إلى التحكيم في حال نشوب نزاع بين الطرفين.
فمنها العقد المبرم بين المملكة العربية السعودية والشركة اليابانية للبترول في10 ديسمبر 1955م،والذي ورد فيه"أنه في حالة عجز الطرفين عن الوصول إلى تسوية ودية فيما يختلف عليه أو في حالة عجزهما عن الاتفاق على إحالة النزاع إلى محكمة ما فإن الخلاف يحال إلى مجلس تحكيم مكون من خمسة أعضاء ويصدر حكم الهيئة بأغلبية الآراء"([25]).