النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: دور الدولة في الاقتصاد الإسلامي

  1. #1
    نبذه عن الكاتب

    البلد
    الصومال
    مجال العمل
    أعمال ادارية
    المشاركات
    2,881

    افتراضي دور الدولة في الاقتصاد الإسلامي

    يعتبر الإسلام الدولة مؤسسة أساسية في حفظ نمط الحياة الاجتماعية، وتحقيق المقاصد الشرعية، وتوفير الرخاء المادي والروحي والدفاع عن العقيدة ونشرها.
    وعلى الدولة الإسلامية أن تلعب دورها هذا بجدية وحكمة ورؤية شاملة تنبثق من التصور الإسلامي للحياة. وليست مهمة الدولة الحد من حريات الأفراد أو كبح روح المبادرة لديهم بل على العكس مهمتها تشجيع الأفراد على أن يستغلوا كل ملكاتهم وقدراتهم، والدولة الإسلامية تأكيدا والتزاما بمبدأ الحرية تعتمد على قاعدة الشورى في صنع واتخاذ القرار السياسي الذي يهدف إلى تحقيق النفع العام وما الشورى إلا مشاركة الأفراد في تحمل المسئولية ومعاونة الدولة لتصحيح مسار الحياة الإسلامية[1].
    وفي كل مجتمع لا تتوزع القدرات ولا الثروات ولا المواهب ولا الفرص بصورة متساوية تتخذ نمطا واحدا، وهذا التفاوت في القدرات والإمكانات له جوانبه الإيجابية البناءة في إشاعة روح المنافسة والتفاضل في الإنجاز بين أفراد وفئات المجتمع، ومع ذلك فإن هذا التفاوت قد يتجاوز الحد المعقول وعندها تخسر الرهان فئات في المجتمع قصرت بها الوسائل، ولا مندوحة من أن تتولى الدولة رعايتهم ومعاونتهم، كما أن سريان المنافسة والحرية الاقتصادية قد لا يحقق في كل الظروف توافر الصناعات والخبرات الفنية اللازمة بالقدر اللازم. والدولة الإسلامية لا تستطيع التنصل من مسئولياتها بل هي مكلفة شرعا باتخاذ كل السياسات والإجراءات التي تكفل تزويد المجتمع بما ينقصه في النواحي الصناعية والفنية وغيرها.
    ولما كان الإسلام يعالج شئون المجتمع بصورة شاملة متكاملة فإنه من المعلوم أن أحوال المجتمع تتبدل وتتغير، وحاجات المجتمع الاقتصادية الداخلية وفي علاقاته الاقتصادية الخارجية تتبدل كذلك، وعليه فإن مدى تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية يتطور حسب المرحلة التي يصلها المجتمع. وفي بداية ظهور المجتمع الإسلامي كانت حاجات المجتمع الإسلامي ونشاطاته الاقتصادية محدودة بطبيعة الحال، وكانت سياسة الدولة الاقتصادية تتلاءم مع تلك الحاجات. وفي أيامنا هذه تشعبت القضايا الاقتصادية وبرزت معضلات جديدة، ومن ثم فإن الدولة الإسلامية مكلفة بالنهوض بأعبائها الجديدة بحيث تستقي أساليب معالجتها من الشريعة الإسلامية وروحها ومن معطيات الفقه وأصوله. وفي كل الأحوال فإنه مهما بلغ دور الدولة الإسلامية في الحياة الاقتصادية فإن هذا الدور ينصب أساسا على حماية الملكية الفردية وتعزيز الدور الهام الذي يلعبه جهاز الأسعار في توجيه الموارد وتوزيع الدخل وتصريف المنتجات والربط بين رغبات المستهلكين واستغلال الطاقات الاقتصادية.
    والسياسة الناجحة هي التي تواجه تحديات نظام يقوم على الملكية الفردية، والعبقرية في الإدارة العامة تتمثل في كيفية توجيه الإنتاج والاستهلاك وتوزيع الدخل بصورة تكفل تحقيق التقدم والنمو الاقتصادي مع تحقيق عدالة اقتصادية تعم منافع التقدم على الجميع... والإسلام يرفض في كل الأحوال أن تجعل الدولة من نفسها مالكا لموارد المجتمع. فالسيطرة الاقتصادية الكاملة للدولة تعني القضاء على الحرية بكل
    أبعادها في المجتمع، وواجب الدولة المحافظة على التوازن الدقيق بين حريات الأفراد وحماية المصالح العامة للمجتمع.
    وقيل أن تحدد بعض مجالات السياسة الاقتصادية الرئيسية يجدر بنا أ، نكشف عن الوضع الحالي لاقتصاديات الأمة الإسلامية.
    يتميز اقتصاد العالم الإسلامي المعاصر بمظاهر بارزة نوجزها فيما يلي:
    1- التبعية الاقتصادية لاقتصاديات الدول الصناعية، والافتقار إلى أي درجة معقولة من الاستقلال الاقتصادي سواء كان ذلك في مجال السلع الإنتاجية أو الاستهلاكية أو بالسبة للاستقرار في مستوى الدخل والتشغيل والأسعار، وهذه التبعية جعلت المستفيد الأكبر من الإنتاج والمبادلات الاقتصادية الدول الصناعية إذ أن شروط التجارة تسير في الغالب لصالح الدول الصناعية[1] وفي غير صالح الدول النامية ومنها الدول الإسلامية.
    2- سوء توزيع السكان في العالم الإسلامي بحيث تواجه بعض الأقاليم ضغطا سكانيا شديدا بينما تعاني أمصار عديدة نقصاً كبيرا في السكان، مما يربك عمليات النمو الاقتصادي في كلا النوعين.
    3- التراجع المستمر في حقل الإنتاج الغذائي، بحيث أصبح العالم الإسلامي يعتمد أكثر فأكثر على استيراد القمح والغذاء مما يشكل عجزاً استراتيجيا بالنسبة لتحقيق الأمن الغذائي[2].
    4- ضآلة القاعدة الصناعية وتخلفها، إذ أن أغلب الصناعات القائمة صغيرة الحجم مرتفعة التكاليف وبدائية وأغلبها صناعات غذائية ومنسوجات وكثير منها صناعات تجميعية لمدخلات مستوردة، بينما يفتقر العالم الإسلامي إلى الصناعات الاستراتيجية الأساسية كصناعة الآلات والمعدات الثقيلة والقاطرات والطائرات وغيرها. وهذا الوضع حال دون بناء عقلية صناعية إبداعية. وجعل الصناعة عاجزة عن النمو الذاتي الداخلي، وفوت الفرصة لبناء صناعة عسكرية متطورة تحرر عملية صنع القرار السياسي من هيمنة الدول الكبرى المصدرة للسلاح. ويعود الضعف في الإنتاج الصناعي للمسلمين إلى عوامل عديدة منها:
    أ – صغر حجم السوق في معظم الأقطار الإسلامية، مما يحرم الصناعة من الاستفادة من مزايا الحجم الكبير الذي يعود بالفائدة في صورة نفقات متناقصة وأسعار معقولة.
    ب- ندرة بعض العناصر الإنتاجية كالعمال المهرة ورأس المال في بعض الأقطار بينما تعاني أمصار أخرى تخمة في عنصر إنتاجي أو آخر، وفقدان عملية إعادة توزيع العناصر الإنتاجية على نطاق العالم الإسلامي للتخفيف من حدة مشكلة ندرتها.
    جـ- ظهور عادات وتقاليد معوقة للتصنيع وعزوف الأفراد من الانخراط في العمل الصناعي بحجة المحافظة على المكانة والهيبة الاجتماعية الموهومة، مما مكن غير المسلمين من السيطرة على كثير من الصناعات في الأمصار الإسلامية[1].
    5- الخضوع للهيمنة التكنولوجية الأجنبية واستمرار اعتماد الصناعة والزراعة ومتطلبات النمو الاجتماعي على ما يصنعه الأغراب، وأصبحت التكنولوجيا المستوردة وسيلة هامة لتفريغ العالم الإسلامي من قدراته المالية لصالح الدول الصناعية، وحرم الصناعة المحلية من أن تنمو لها جذور راسخة.
    6- الإغراق في استيراد تكنولوجيا الاستهلاك والترف، بحيث يتحول المجتمع الإسلامي إلى مجتمع استهلاك يستنزف موارده المالية على العديد من الواردات التافهة وقد لعبت مؤسسات الإعلام في الدول الإسلامية دورا بارزا في خلق عقلية مجتمع الاستهلاك، وكان الأجدر توجيه الإعلام لتشجيع المواطنين على الادخار والاستثمار. ومن المعلوم أن خلق عقليات مجتمعات الاستهلاك في الدول النامية عموما تعتبر من أبرز ممارسات الاستعمار الاقتصادي[1] الحديث.
    7- سرعة استنزاف الموارد الأساسية للأمة الإسلامية كالبترول حتى لا تمكن الأمة الإسلامية من بناء قاعدة اقتصادية ذاتية تعوض عن فقدان البترول، وحتى لا تستفيد من فرصة القيمة المتصاعدة للموارد نظرا للنقص الكبير المتوقع في الإنتاج والذي لا يتلاءم مع الطلب العالمي المتزايد. والأنكى من هذا أن الأرصدة المالية الهائلة المدفوعة ثمنا لهذا المورد يعاد استثمارها في الدول الصناعية لزيادة قدرتها الإنتاجية بحيث تتسع الهوة بين الأغنياء وبين الدول الإسلامية الفقيرة في الوقت الذي تتضاءل فيه قيمة هذه الأرصدة بسبب التلاعب في أسعار الصرف، وربما استخدمت الدولة الصناعية تلك الأرصدة يوما ما وسيلة للضغط السياسي لتحقيق مآرب تتعارض مع طموحات الأمة الإسلامية.
    8- هجرة العقول والخبرات الإسلامية إلى الدول الصناعية، ويعود هذا الأمر إلى عوامل عديدة منها، اتساع مجالات العمل والبحث وكفاءة الإدارة في الدول الصناعية، ومنها التضييق السياسي في ثير من الأقطار الإسلامية والذي لا يعطي الكفاءات العلمية حقها في التعبير الحر والمشاركة في اتخاذ القرار، ويوزع المناصب القيادية في حالات كثيرة على المحاسيب. والغريب أن يعطي الخبراء الأجانب الأولوية في التوظيف وفي ضخامة المرتبات المالية، علما بأن الخبرة الأجنبية غالبا ما تكون متحيزة لصالح الأجنبي وعاجزة عن فهم عقلية المجتمعات الإسلامية.
    9- فوضى التخطيط بسبب غياب التنسيق بين خطط التنمية في الأمصار الإسلامية وكان لغياب استراتيجية متكاملة للنمو الاقتصادي والاجتماعي تأخذ في الاعتبار تكامل الموارد الطبيعية والمالية والبشرية أثره في أن حرم العالم الإسلامي من فرصة الانطلاق الاقتصادي بسبب تزاحم المعوقات في الأسواق الصغيرة[1].
    10- انتشار عقلية الربح السريع والتهافت على المضاربة في العقارات وتجارة الأراضي وإفساح المجال للاحتكار للتحكم في الأسواق وجني أرباح طائلة كنتيجة حتمية لغياب التوجيه الراشد في ظل ضوابط قانونية فاعلة، ورافق هذه الظواهر السلبية بروز حالات صارخة من الظلم الاجتماعي وسوء توزيع الدخل، وزادت الأمور تعقيدا بسبب التضخم الجامح الذي أدى إلى تدهور مستوى معيشة المواطن العادي في أقطار عديدة، مما عاون على إشاعة عادات ضارة كالرشوة والتهرب نم أداء أعباء المسئولية والإخلاص للوظائف العامة.
    11- وفي كثير من أقطارنا ما زالت المؤسسات التي تعمل في حقل الإنماء الاقتصادي والاجتماعي غريبة عن مفاهيم الناس كالبنوك الربوية ولا تنسجم مع طبيعة الحضارة الإسلامية، ومما أوجد تضادا بين معتقدات الناس وبين التطبيق الفعلي للخطط والبرامج، وهكذا لم يصاحب محاولات التقدم الاقتصادي زحفا

    نفسيا على مستوى الشعوب يشحذ الحوافز ويطلق الطاقات، مما أعاق عملية التنمية نفسها، وحولها إلى عملية بيروقراطية لا جذور لها في نفوس المواطنين.
    وعلى ضوء هذا الواقع يمكن بلورة دور الدولة الاقتصادي في نقاط رئيسية أبرزها:
    1- تحقيق تشغيل أمثل للموارد الاقتصادية
    من أولى الواجبات الاقتصادية توفير كافة متطلبات الإنتاج لتحقيق الزيادة في الفائض الاقتصادي المنتج، ولتوظيف عناصر الإنتاج بصورة كاملة، سواء كانت بشرية أو مادية، وهذا يستدعي توفير المناخ الأمني، والتشريعات، وبناء رأس المال الاجتماعي الأساسي لبناء الطرق والموانئ، وتوفير الكهرباء والخدمات الأخرى، التي تغري المؤسسات الخاصة على ارتياد مجالات إنتاجية جديدة في الصناعة والزراعة والتعمير، مستغلة بذلك الفرص التي تتيحها الوفورات الخارجية. ومن المهم التنبه على أ، توفير رأس المال الأساسي يجب ألا يكون مركزا في العواصم أو في بعض المدن بل يجب أن يعم الريف والمدن على حد سواء لضمان توزيع المنافع الاقتصادية على جميع المناطق ولنشر السكان ليعمروا الأرض الإسلامية: ويدخل ضمن هذا: المعاونة على إيجاد المؤسسات الاقتصادية التي تنسجم في تكوينها وعملها مع المفاهيم الإسلامية، كالعمل على إنشاء بنوك الإدخار والتمويل غير الربوية، ومؤسسات الإنتاج والتسويق والتعاونيات[1].
    ويتعين كذلك أن يكون معدل النمو الذي يطمح إلى تحقيقه ليس هو أعلى معدل ممكن، بل يجب أن يكون المعدل الأمثل للنمو والذي قد يقل عن ذلك المعدل الذي يحقق أقصى إنتاج ممكن. ومن الاعتبارات التي يجب أن تراعي في تحديد معدل النمو المرغوب فيه اجتماعيا.

    أ – عدم تشجيع استنزاف خامات المجتمع وموارده الأولية بمعدل سريع. وذلك بترشيد الإنتاج والاستهلاك بحيث يستفاد من الآلات الإنتاجية والسلع المعمرة فترة زمنية طويلة معقولة، وأن تتجنب تكرار النمط الرأسمالي الذي يحض على سرعة التخلص من السلع المعمرة، مما جدد طاقات المجتمع وموارده ويحرم الأجيال القادمة من فرصة التمتع بها عملا بقوله تعالى (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا"[1] "إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين.." [2].
    ب- ضرورة مراعاة تركيبة السلع التي يستهدف برنامج الإنماء تحقيقيها بحيث تعطي السلع والخدمات التي تسد حاجات السواد الأعظم من الناس وزنا أكبر، كإنشاء المساكن والمصانع المنتجة للأقمشة الشعبية والابتعاد عن الإنتاج الكمالي والترفي الذي يمكن أن ينساق له القطاع الخاص بسهولة، نظرا لضخامة القوة الشرائية في أيدي الأغنياء.
    جـ- ضرورة الملاءمة بين أساليب الإنتاج الفنية والمستخدمة وبين عرض عناصر الإنتاج المحلية خصوصا القوى البشرية، فيختار الأسلوب الإنتاجي الذي يحقق مرونة معقولة تتيح الفرصة للاستفادة من مزايا التكنولوجيا المتطورة ولكن مع مراعاة توفر فرص العمل للعمال، لأن الإسلام يحارب البطالة ويعتبرها مباءة للفساد الاجتماعي.
    2- ربط الإنفاق العام بمقدار المصلحة العامة المتحققة
    من أعظم عوائق النمو في البلاد النامية توجيه الموارد المالية لتحقيق مصلحة بعض الأشخاص في الجهاز الحكومي، باعتبار أن المال العام سائبة يجوز التطاول عليها. والمطلوب توجيه الإنفاق العام بحيث يحقق مصلحة نافعة للمجتمع، ويختار من بين البدائل أعظمها نفعا. وكي يمكن تحقيق المنافع العامة لابد من انتقاء الجهاز الحكومي بحيث يتوفر فيه شرط الأمانة والإخلاص ومراقبة الله سبحانه وتعالى والكفاءة والمقدرة[1].
    3- محاربة الاحتكار والتدخل في السوق لتحديد الأسعار
    من المهم أن يكون نمط التنمية الإسلامي مغايراً لنمط التنمية في النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي. ومن أبرز عيوب النمط الرأسمالي تركز الثروة وتحكم الاحتكار، وفي النظام الاشتراكي هيمنة الدولة كليا على الموارد الاقتصادية، بينما في الإسلام الأصل أن تتوسع قاعدة الملكية وتعم المنافسة البناءة وتتطور أساليب الإنتاج وأنماط السلع بحيث تنتج بتكاليف رخيصة وتباع بأسعار معقولة. ولذا لابد من كسر شوكة الاحتكارات التي تجثم على صدر اقتصاديات العالم الإسلامي اليوم، كوريثة للنظام الاستعماري المستغل.
    ولما كانت الملكية الخاصة هي الأصل، فإن جهاز السعر وقوى العرض والطلب هو الذي يوزع السلع والخدمات وعناصر الإنتاج بين الاستعمالات المختلفة، وفي كل الأحوال لا يجوز بحال من الأحوال تضييق الخناق على جهاز الأسعار بحيث تشل فاعليته تماما.
    ومع ذلك قد تنشأ حالات شاذة كالحروب وغيرها تستوجب على الدولة الإسلامية التدخل المباشر في جهاز الأسعار وتحديد السعر إذا ما كانت هنالك حالات من التلاعب المقصود لإنقاص العرض أو زيادة هامش الربح بشكل تعسفي، كما يجوز للدولة تحديد أسعار عدد من السلع الأساسية كالمواد الغذائية والأقمشة الشعبية وأجور المواصلات والكهرباء والأدوية وإيجارات المساكن شريطة أن يكون التحديد مبنيا على أساس تحليل التكلفة الحقيقية للإنتاج[1].
    4- ضبط الإعلان التجاري ووضع مقاييس ومواصفات للسلع والخدمات
    من حق البائعين والمنتجين ترويج بضائعهم وتحبيبها للمستهلكين ولكن ضمن الإطار العام الأخلاقي الذي يتبناه الإسلام والضوابط التي تضعها الدولة للإعلان التجاري بحيث يبتعد عن المبالغة في تزيين السلعة وإضفاء صفات وهمية عليها، ويستغل الجنس لتحقيق منافع تجارية، ويشوه رشد المجتمع في الاختيار ويدفع الناس للشراء دونما وعي، ويحولهم إلى مجتمع استهلاك بلا إنتاج، كما أن من واجب الدولة أن تضع مقاييس ومواصفات للإنتاج، بحيث تمنع الغش والتدليس في تركيبة السلع وتراعي توفر الشروط الصحية والمناعة ودقة الأوزان. وقد عرف هذا النظام في التاريخ الإسلامي باسم الحسبة: وهو نظام دقيق فريد في نوعه ولم تعرفه مجتمعات أخرى حتى في أيامنا هذه بمثل تلك الدقة والشمول والتنظيم.
    5- تنفيذ سياسة أجور وتشريعات عمالية عادلة
    لا مراء في أن تتفاوت الأجور في المجتمع الإسلامي تبعا لمتطلبات الإنتاج ونوعيته وقوة الطلب والعرض، وتفاوت المهارات الموروثة والمكتسبة، والأصل أن يختار رب العمل نوع الاستثمار الذي يرتئيه، وكذلك العامل حر في اختيار العمل. ويمكن للأجور أن تنخفض أو تزداد حسب قوة الطلب والعرض على الإنتاج ومن ثم على العمال. ومع ذلك فإن على الدولة الإسلامية أن تراعي ظروف العمل وتطمئن على عدم وجود احتكار للمنتجين يبخس العمال أجورهم[1] وكذلك عدم وجود احتكار بيع العمل بحيث تغالي النقابات في رفع الأجور دونما مراعاة لحالة السوق ولنمو إنتاجية العامل، وللدولة الإسلامية أن تتدخل لإقرار أجر المثل في بعض الصناعات والمهن، كما أن لها أن تضع حدا أدنى للأجور على مستوى الاقتصاد العام بحيث لا يهبط عنه مراعاة لحد أدنى من الدخل لابد من توفيره للفئة المغالية في المجتمع. وفي كل الحالات مطلوب من الدولة أن تسن من القوانين والتشريعات اللازمة التي تحدد ساعات العمل والإجازات والمكافآت السنوية والتعويضات في حالات إصابات العمل، وما يكفل تحسين الظروف الصحية والثقافية والتدريبية والترفيهية للعمال، وتحريم تشغيل الأحداث وما إلى ذلك[2].
    6- تحقيق توزيع عادل للثروة والدخل وتوفير تكافؤ الفرص
    أي نظام اجتماعي يقر حق الأفراد في التملك لابد أن يتقبل فكرة تفاوت الدخل بين الأفراد. وهذا التفاوت في حد ذاته يشكل حافزا للإبداع وتطوير العملية الإنتاجية وترقيتها، ويبعد عن المجتمع شبح النمطية في الأذواق وفي الإنتاج الذي يعمل على تجميد الحياة الاقتصادية ويسلب منها دافع الحركية وميزة التنوع والمرونة. ولكن التطرف في توزيع الثروة والدخل يمكن أن يورث أخطارا اجتماعية تهدد التوازن وتعمل على إشاعة روح الحقد والكراهية وتقتل في الأفراد حوافز الجد والانتماء والحرص على حفظ الممتلكات وصيانتها، كما أن الإجحاف في توزيع الدخل وتركز معظمه في يد أفراد أو أسر قليلة يبرز تناقضات في مستويات الاستهلاك، إذ يتيح لفئة غنية أن تستمتع بخيرات المجتمع نظرا لقوة جذبها الشرائية، بينما تبتعد النشاطات الاقتصادية عن تلبية حاجات السواد الأعظم من الأمة نظرا لضعف القوة الشرائية في أيديها[1] كما أن تركز الثروة والدخل يمثل سيفا مسلطاً على صنع القرار السياسي بحيث يصبح في المقدور توظيفه أو تليينه لخدمة أغراض الطبقة الغنية، مما يجعل السلطة رهينة للمصالح الشخصية النافذة، ويحرمها من التطلع إلى آفاق أرحب لتحقيق الصالح العام ومساندة الجانب الأضعف في البنية الاجتماعية[2].
    والإسلام يملك من الضوابط ما يعين على الحد من التفاوت الكبير في الدخل والثروة وهذه الضوابط على نوعين:
    أولا: ضوابط ذاتية ومن أبرزها:
    1- الزكاة
    2- نظام الإرث
    3- الإنفاق بأنواعه والكفارات والأوقاف
    ثانيا: ضوابط تخضع للقرار السياسي.
    النوع الأول: الضوابط الذاتيـة
    وبالنسبة للزكاة فإن سعة وعائها وتعدد مصادر الثروة والإيراد التي تربط عليها الزكاة كفيلة بتحقيق حصيلة مالية جيدة يعاد توزيعها على مستحقيها كما وردت في الآية الكريمة "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل، فريضة من الله، والله عليم حكيم"[3].
    ومما يجدر ذكره أن الزكاة مخصصة للإنفاق على سد الحاجات المباشرة للفقراء ومن هم على شاكلتهم، وهي بذلك تساعد على القضاء على الفقر ورفع مستوى المعيشة لمستحقيها، وعلى الرغم من أن الزكاة تماثل من حيث معدلاتها، الضريبة النسبية غير التصاعدية، فإن الزكاة تتميز عن ضريبة الدخل التصاعدية بأنها تلحق بالأرصدة النقدية المدخرة عن السنوات السابقة، بينما ضريبة الدخل لا تلحق بالدخل إلا مرة واحدة. ومعنى هذا أن مزايا وفرة الإيراد التي يحتج بها بالنسبة لضريبة الدخل التصاعدية، تتحقق بالنسبة للزكاة لأنها تلازم الدخول السابقة باستمرار. أما توزيع الإرث حسب الشريعة فإن من شأنه أن يعين في تفتيت الملكيات الكبيرة ويوسع قاعدة المنتفعين بالملكية. أما فروض الإنفاق كإلزام الابن بالإنفاق على أبيه أو شقيقته فإنها تسهم في تحقيق آثار توزيعية نافعة، وكذلك الحال بالنسبة للكفارات والأوقاف[1].
    النوع الثاني: التوزيع بأساليب مباشرة
    ويدخل في هذا النوع حق الدولة في فرض ضرائب إضافية زيادة على الزكاة، كالضرائب المباشرة وغير المباشرة وضرائب التركات، وضريبة القيمة المضافة وضريبة الأرباح الرأسمالية (تصاعدية كانت أم نسبية)، وذلك لسد احتياجات المجتمع، شريطة أن تكون المصلحة قطعية وليست لتحقيق منافع للحاكمين، استنادا إلى المأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم"أن في المال حقا سوى الزكاة".
    كما يحق للدولة إذا تأكدت المصلحة واستدعت الضرورة أن تتدخل في الملكية ذاتها، كأن تضع حدودا عليا أو دنيا، زراعية كانت أم صناعية، كأن تنفذ الحكومة برنامجا للإصلاح الزراعي وتعميم الملكية على صغار الفلاحين عن طريق إعادة توزيع ما يقتطع من الملكيات الكبيرة، شريطة أن تؤدي الحكومة تعويضا مرضيا.


    7- تحقيق الضمان الاجتماعي لجميع أفراد المجتمع
    تضمن الدولة الإسلامية للمواطنين حق العمل وتهيئ لهم كل الإمكانات لمزاولة قدراتهم Compulsory Unemployment كما تضمن الدولة لكل مواطن مسلما كان أو غير مسلم حق العيش الكريم، كما تضمن المسكن اللائق والعلاج استنادا إلى قول الرسول الكريم "من ترك كلا فالينا، ومن ترك مالا فلورثته" وإذا لم تكف موارد الزكاة فللدولة بحق أن تفرض على أموال الأغنياء التزامات إضافية كالضرائب لسد احتياجات المجتمع.
    والحق أن الدولة الإسلامية هي دولة الرفاهية الاقتصادية[1] حسب المفهوم الإسلامي ولا يجوز أن يجوع الناس ويشقوا بحجة أن تحسين أحوال الناس المعيشية يضعف من الادخار والنمو[2] لأن الإسلام يعتبر الإنسان مكرما في ذاته ثم أنه هو رأس المال الإنساني الذي تتم التنمية من أجله وبواسطته، وتحقيق المزيد من العدالة الاجتماعية يعطي حوافز إنتاجية أفضل، ويكسب المجتمع ترابطا وحصانة تحفظه من القلق والشقاق والاختلال[3].
    8- التخطيط والتنمية الاقتصادية والاجتماعية
    لا يعطي الفقه الإسلامي الدولة الحق في أن ترسم من الخطط والبرامج ما يكفل تطوير الزراعة والصناعة وتزويد المجتمع بالكفاءات المهنية والأكاديمية وتشجيع البحث العلمي وملاحقة التطور التكنولوجي فحسب، بل أن الإسلام يعتبر الدولة والمجتمع إذا قصرا في الأخذ بأسباب النهوض آثمين.
    ولكن مدى التوسع في التخطيط يتوقف حسب الظروف القائمة، فإذا ما كان القطاع الخاص نشطا إيجابيا يرتاد مجال الصناعة والنشاطات المرغوبة، فإن دور الدولة التخطيطي يضيق ليقتصر على التوجيه ووضع السياسات المساعدة، وجمع المعلومات والتنبؤ بأحوال السوق الداخلي والخارجي وجعلها في متناول المنتجين والبائعين ولكن إذا ما تقوقع القطاع الخاص على نفسه وارتاد مجالات هامشية، توجب على الدولة أن تخطط برنامجا استثماريا يكفل تجهيز المجتمع بالصناعات الأساسية والاستراتيجية والصناعات العسكرية. وفي مثل هذه الحالة يكون للدولة قطاع عام نشط. مع مراعاة ألا يتجاوز التخطيط مداه ليقضي على الحوافز الفردية ويكبل حق الملكية الفردية.
    9- المحافظة على الاستقرار النقدي والمالي والعلاقات الخارجية
    من أخطر أزمات العصر الاقتصادية ظاهرة التضخم. وللتضخم آثار عديدة ضارة لا مجال للتفصيل فيها هنا: ويكفي أن نقول بأن التضخم يعمل على تدهور المستوى المعيشي للعمال والموظفين وصغار الملاك، ويقيد المضاربين، ويلحق أبلغ الضرر بنمط الاستثمار خصوصا الإنتاجي أو طويل الأجل، إذ يصعب بمكان احتساب النفقات المستقبلية كما أن التضخم يضعف الثقة في الإدارة الحكومية، ولذا فإن من واجبات الدولة تحقيق استقرار في الأسعار وأن تستخدم أسلحتها النقدية والمالية لتفادي حالات التضخم أو التقليل من آثارها السلبية خصوصا إذا ما كان التضخم مستوردا، وعلى الحكومة أن تعيد النظر في عمل البنوك التجارية، فأما أن تتحول إلى ملكية الدولة، أو تضع قيودا على ما يسمى "بخلق الائتمان" إذ أن خطر التوسع في الائتمان يضيق مداه عندما يلغي التعامل الربوي للبنوك، ومع ذلك فإن التوسع في الائتمان يبقى قضية في حاجة إلى مزيد من المعالجة، لأنها تعني خلق قوة شرائية غير حقيقية تمكن المصارف من الاستحواذ على طاقة مالية دونما وجه حق مما يعيد توزيع الدخل من باقي أفراد المجتمع إلى الممولين.

    وكذلك الحال بالنسبة للسياسية المالية والموازنة العامة، وإذا لابد أن تراعي الدولة الظروف العامة للاقتصاد، فيكيف الإنفاق العام بحيث يخفف من حالات الهبوط الاقتصادي ويحد من حالات الصعود الحاد[1].
    وبالنسبة للعلاقات الاقتصادية الخارجية، لابد للدولة من أن ترسم سياستها الخارجية على أساس تشجيع الصادرات والإنتاج البديل للواردات وتتبع من السياسات الجمركية ما يحقق التوازن والقوة في ميزان المدفوعات وتتعامل مع الدول الأخرى على أساس مبدأ المعاملة بالمثل، وتمنح الدول الإسلامية الأخرى حق الأفضلية.




    10- العمل الجاد لتحقيق التكامل الاقتصادي للأمة الإسلامية
    عمل أعداء الأمة الإسلامية على تجزئتها في كيانات سياسية صغيرة لتحقيق هدف استعماري خبيث إلا وهو إضعاف هذه الأمة عن طريق تآكل قواها بسبب الصراع الذي لابد أن ينشب بين هذه الكيانات، وثانيا عن طريق تصغير حجم هذه الكيانات بحيث لا تستطيع أن تستكمل مقومات البناء الاقتصادي المؤثر[2].
    ولما كان الإسلام ينظر إلى المسلمين كأمة واحدة، تعبد ربا واحدا وتهدي بخاتم الأنبياء وتمثل شريعة واحدة، فإنه لزاما على كل دولة


    إسلامية تأخذ بالاقتصاد الإسلامي أن تضع في اعتبارها ضرورة تحقيق التكامل الاقتصادي للأمة الإسلامية، إذ أن للتكامل آثارا اقتصادية وسياسية واجتماعية وعسكرية واضحة، فالتكامل يقضي على مشكلة صغر حجم السوق، ويوفر المناخ لإدخال الصناعات الكبيرة والتكنولوجيا المتطورة للاستفادة من مزايا الحجم الكبير ويسمح بتكامل العناصر الإنتاجية الطبيعية والبشرية والمالية بحيث تتمكن خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية من النجاح في بناء قاعدة اقتصادية مرنة وعميقة الجذور، يقوم على التخصص في الإنتاج بين الأقاليم الإسلامية شخصيا يسد معظم احتياجاتها ويهيئ فرصة حقيقية للاستقلال الاقتصادي، الذي يفتح المجال أمام استرداد كل من رأس المال الإسلامي الغائب في أرض غريبة[1] والعقول والخبرات العلمية والفنية للعودة من مهجرها، وحينذاك تستطيع الأمة الإسلامية أن توفر الأمن الغذائي والإنتاج الصناعي الذي يعطيها درجة عالية من الاكتفاء الذاتي، كما أنه يوفر لها أمنا آخر في مجال التسليح، إذ يصبح بمقدور العالم الإسلامي المتكامل اقتصاديا أن يستغل قاعدته الصناعية وتوفر الخبرات التي آبت من مهجرها وأرصدته المالية الكبيرة التي أعيد استثمارها في أرضها، في إنتاج متطلباته العسكرية سواء في مجال الأسلحة التقليدية كالدبابات والصواريخ والطائرات أو مجال الأسلحة النووية. وعندها يتحقق للأمة الإسلامية استقلالها السياسي، وتتحرر إرادتها من تحكم الدول الصناعية الكبرى في المجالات الاقتصادية والعسكرية، ويحظى الفرد المسلم بمستوى معيشي كريم

    محمد أحمد صقر
    المسلم المعاصر، العدد 25، 1981، ص ص57-74.

  2. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ أبو عبد العزيز على المشاركة المفيدة:


  3. #2
    نبذه عن الكاتب

    البلد
    المملكة العربية السعودية
    مجال العمل
    موارد بشرية
    المشاركات
    542

    افتراضي رد: دور الدولة في الاقتصاد الإسلامي

    ,‘

    يعطيك العآفية أستآذ : أبو عبد العزيز

    موضوع قيم

    دمت بخير

    ,‘



    مِثْل الْطِّفْل ..

    كُنْت ..مِثْل الْطِّفْل / أَحْلَم [فِي زَمَن كُلُّه صَفَآء]!

    وَكُنْت أَبْنِي هآلحُلَم مِن جَزيّئَآت ..الْنَّسِيْم !

موضوعات ذات علاقة
دراسة جريئة عن الاقتصاد الإسلامي والعولمة
دراسة جريئة عن الاقتصاد الإسلامي والعولمة مستقبل الاقتصاد الإسلامي مرهون بعودة روح الأمة الإسلامية القاهرة: ممدوح الصغير أسهم الإسلام بنصيب وافر في بناء الحضارة الإسلامية منذ القرن السابع... (مشاركات: 1)

الاقتصاد الإسلامي علم أم نظام ؟
أقصد بالعنوان : هل الاقتصاد الإسلامي علم أم هو مجرد نظام ؟ العلم قد يطلق ويراد به ضد الجهل، أو يراد به وصف الواقع كما هو عليه، أي ما هو كائن، بالوقائع لا بالأماني والأهواء. قال تعالى: } لا يعلمون... (مشاركات: 0)

حقوق وواجبات العمال ومسئولية الدولة
تحليل طبيعة مشكلة العمال : من التكاليف التي فرضها الله علي الإنسان سواء أكان عاملاً أو صاحب عمل (مستثمراً) خفيراً أو وزيراً هي العمل لعمارة الأرض وعبادة الله عز وجل ، فهو القائل سبحانه : "هُوَ... (مشاركات: 0)

هل تجيد الدولة إدارة مواردها ؟
"علينا أدارة مواردنا بكفاءة لنضمن مستقبل أجيالنا القادمة" محمد بن راشد أل مكتوم-حاكم دبى موارد الدولة ورأس مالها مصدر قوتها فى تسيير أمورها وأمور شعبها فما هى الطريقة المثلى لادارة هذه... (مشاركات: 0)

تحريم فوائد البنوك أحيا الاقتصاد الإسلامي
عمان- أكد أ.د. علي محي الدين القره داغي أستاذ الشريعة بجامعة قطر أن النهضة الحديثة للاقتصاد الإسلامي وفقه المعاملات قد بدأت فعلا بعد القرار الحاسم لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر 1964م بحرمة فوائد... (مشاركات: 0)

أحدث المرفقات
الكلمات الدلالية